كتاب وأراء

غيــر الأكفاء .. لماذا صاروا قادة ؟

قرأت مؤخرا مقالة نشرت في عام 2013 في دورية هارفارد للأعمال بعنوان «لماذا يصبح الرجال عديمو الكفاءة قادة؟» ‏وكانت تتحدث هذه ‏المقالة العلمية عن الفارق الشديد الموجود بين النسب العالية للرجال الذين يحتلون مراكز قيادية في قطاعات الأعمال بالغرب مقارنة بالنساء. وأرجعت المقالة ذلك إلى الصفات الذكورية التي تجعل الرجال يبدون أكثر ثقة بنفسهم من النساء ولأننا عادة نسيئ تفسير مظاهر الثقة على أنها أهم علامات الكفاءة، ومن ثم ننخدع إلى الاعتقاد بأن الرجال هم قادة أفضل من النساء.
ورغم أن المقالة بها تحيز واضح للجنس اللطيف الا انها قادتني للتفكير في القضية الأكبر والتي نعاني منها في العالم العربي وهي «ندرة القادة الاكفاء وتسيد عديمي الكفاءة معظم المواقع القيادية الحكومية منها وغير الحكومية».
أستطيع الجزم بأن هذه الحالة العربية بامتياز هي من أهم عوامل تدهور أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية والرياضية ووصولنا إلى مرتبة متدنية على جميع الأصعدة العالمية. ومن ثم سأحاول هنا الخوض في هذه القضية الشائكة ببعض التفسيرات مع علمي أن الأمر يحتاج إلى دراسات علمية وجهود بحثية جادة للوقوف على أسباب هذه الظاهرة التي لا أظن أن أحدا يمكنه إنكارها.
أولا: الخلط بين صفات المدير وطبيعة مهام القائد.
‏هناك فارق بين ما يقوم به المدير ‏من أعمال ووظائف وما يجب أن يقوم به القائد. المدير يتولى الإشراف على سير العمل والتأكد من قيام مرؤوسيه بما يوكل لهم من مهام. كما يقوم بحل المشاكل التقنية والإدارية على مستوي الوحدات ثم يقوم بتقييم الأداء لمرؤوسيه على أساس تحقيقهم لأهداف المنشاة ورسالتها ومن ثم يقترح لإدارته العليا ما يمكن المنشأة من حل مشاكلها الحالية ويضمن لها النمو المستقبلي.
أما القائد فيتجلى ‏دوره الأساسي في خلق بيئة العمل المناسبة والمحفزة على الانتاج. هو من يستطيع ان يجعل العاملين في المؤسسة من مديرين وعمال وعلى كافة المستويات يأتون إلى المنشأة وهم راغبون في العمل. هو من يقنع العاملين في المؤسسة بأنها تخصهم وأنهم ملاكها وان نجاحها من نجاحهم. القائد هو من يتولى تسويق أهداف المؤسسة ورسالتها ليس فقط لأفراد المؤسسة وإنما للمتصلين بها من أفراد وجماعات ومؤسسات حتى يصبح هو حلقة الوصل بين المؤسسة والعالم الخارجي.
ليس من دور القائد أن يتولى المهام الإدارية التفصيلية ولا يجب عليه أن ينغمس في العمل التقني ليبرز مهارته وكفاءته. القائد يشارك في وضع واختيار الأهداف والرسائل. القائد يشرف على تحقيق الاستراتيجيات. القائد يترك الإدارة اليومية للمديرين. هذا الخلط بين طبيعة المدير والقائد هو من جعل معظم قادتنا مديرين وهو من جعل معظم الوزراء في العالم العربي موظفين بدرجة وزير.
ثانيا: معايير اختيار القادة.
هل هناك مواصفات أو معايير معينة يسعى اليها أو يلتزم بها من يقوم باختيار قادة المؤسسات وقادة القطاعات (الحكومية وغير الحكومية أو الرسمية منها وغير الرسمية)؟ واضح أنه لا توجد لمن يقوم بعملية اختيار أو حتى ترشيح القادة مثل هذه المواصفات أو المعايير. بل الأدهى أن تأتى هذه الاختيارات في جميع الحالات إما لصالح أهل الثقة وعلى حساب أهل الخبرة، أو تكون اختيارات عشوائية. ولعلنا سمعنا عن «وزراء تشابه الأسماء» الذين تم تسجيل كيفية اختيارهم لمثل هذه المواقع القيادية عن طريق الصدفة البحتة في أفلام روائية.
ثالثا: الطبيعة غير الديمقراطية لعملية الاختيار.
من أهم أسباب عدم وجود القادة في مجتمعنا العربي أن من يقوم باختيار أو تعيين القادة لا يرغب أساسا في ان يكونوا قادة ولا يريد أن يسمع لهم صوتا مستقلا حتى لا ينتقصوا (كما يتصور هو) من هيمنته وسيطرته على مقدرات الأمور. ومن ثم يقوم باختيار من يمكن وصفهم «بعديمي الشخصية ومنعدمي الكفاءة» ليظلوا طوال فترة وجودهم يأتمرون بأمر من عينهم ويسعون آناء الليل وأطراف النهار لنيل الرضا وكسب الود. وهذه المجموعة الأخيرة تشكل السواد الأعظم من قادة مؤسساتنا في العالم العربي.

بقلم : أ. د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي