كتاب وأراء

في الغابة السورية : أميركا نزيل جديد

واشنطن دخلت الغابة السورية والعلم الاميركي رفرف في منبج بحجة تفادي مواجهة بين الاكراد والاتراك في شمال سوريا، واستعدادا للمعركة الفاصلة في الرقة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».
وبدخول جنودها ومدرعاتها ومقاتلاتها علنا إلى الميدان المزدحم بالجيوش والترسانات يضاف احتلال جديد للأرض السورية التي تقطعت أوصالها بين الروسي والإيراني والتركي والاسرائيلي. ولأن القوة الأميركية ليست تفصيلا عابرا في موازين القوى تبدلت الصورة وانقلب المشهد وتغيرت حسابات الافرقاء المشاركين في الحرب.
ماذا تريد أميركا من سوريا وماذا تريد في سوريا؟ عن هذا السؤال يجيب قائد القيادة المركزية في الجيش الاميركي الجنرال جوزف فوتيل بالقول أمام الكونغرس، ان الجنود الاميركيين باقون في سوريا حتى بعد القضاء على «داعش». ولم يكتف بهذا القدر بل أكد ايضا رفض بلاده لأي وجود إيراني في الاراضي السورية.
إذن المهمة معقدة، لذا الوجود الاميركي في سوريا طويل المدى. وطول الاقامة في أراضي الغير عادة أميركية متأصلة. وندر ان خرج الاميركيون من بلد دخلوه عنوة أو سلما الا بقوة التحرير والمقاومة. وهذه ثقافة ترسخت في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتعمقت بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط نظام القطبين. يكفي نظرة سريعة على خريطة العالم ليتبين ان لأميركا اكثر من ألفي قاعدة عسكرية منتشرة على امتداد القارات الخمس، ومن القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي. وهذا ما جعل من اميركا امبراطورية عظمى تهيمن على سياسات العالم واقتصاداته وثقافاته.
اميركا لم تتغير أبدا. تغيرت التكتيكات وتغير الإدارات والرؤساء لكن الاستراتيجية واحدة: توسيع انتشارها في العالم وليطاول هذه المرة سوريا، وهذا ما كان يتطلع إليه المخططون الاميركيون منذ زمن بعيد. وبسرعة قياسية تخلت الإدارة الاميركية الجديدة عن لا مبالاة الإدارة السابقة، وباتت لاعبا مؤثرا في الشمال السوري يملك مفتاح الرقة ويوزع الادوار على اللاعبين الآخرين من منبج إلى الحسكة، عدا عن دورها المفترض على الجبهة الجنوبية، وكأنها بذلك تقول لجميع المنخرطين في المتاهة السورية، ان لاحل نهائيا ولا حسم من دونها. واشنطن هي الاقدر على هزيمة «داعش» وفرض خطوط تماس واضحة بين المتنافسين على وراثة تركة هذا التنظيم المتطرف، وهي ايضا صاحبة دالة على الاكراد والقبائل العربية في الشرق السوري، والاقدر على لجم الطموحات الإيرانية والتركية، في حين ان روسيا تحاول عبثا قيادة ملف التسوية السورية، ومنع الاحتكاك بين القوى المتنافسة على الأرض من دون أن تحقق إنجازا ملحوظا على المستوى السياسي أو وقف النار. ومن العبث البحث عن حل دائم لأي مسألة دولية معقدة، مثل المسألة السورية، اذا لم يقترن برضا اميركي أو بمشاركة أميركية فعالة فيه. وقد ظهر هذا الأمر جليا في الأسبوعين الماضيين عندما أعادت واشنطن الأولوية إلى محاربة الإرهاب، ونقلت الاهتمام إلى معركة تحرير الرقة، وقررت مسارها والمشاركين فيها.
لا شكّ في أن القرار الأميركي بالتدخل في سوريا شكلّ منعطفا، ليس على صعيد ما يدور على أرض هذا البلد فحسب، بل على الصعيد الإقليمي أيضا. إنّه انقلاب أولا على إدارة باراك أوباما، وثانيا على المسار الحالي للحل تبعا لتفاهمات أستانا.
لكن دخول الغابة السورية ليس نزهة ريفية. هناك تعقيدات وتشابكات كثيرة، بعضها مرتبط بتركة إدارة أوباما التي أهملت تركيا كليّا ودفعتها إلى الحضن الروسي، وبعضها مرتبط بقضية الأكراد الذين يشكّلون نقطة التقاء بين أنقرة وطهران على رغم المنافسة الشديدة بين البلدين، وبعضها الآخر مرتبط بإيران التي انتفخ نفوذها في ظل تغاضي الإدارة الاميركية السابقة، حتى صار عبئا ثقيلا على خرائط الاقليم، والاهم ماذا عن العلاقة مع روسيا؟ هل يستمر الوئام النظري القائم اليوم بين ترامب وبينها وينتج سلاما في سوريا أم تعود العلاقات بين القوتين إلى طبيعتها التناحرية وتنعكس تفاقما للصراع الخطير على الأرض السورية؟
حتى الآن لايزال العسكر الاميركي بعيدا عن خطوط التماس، وعن الاحتكاك المباشر بمصالح الآخرين ومواقع نفوذهم، فهل ستتجاوز الإدارة الجديدة حقل الألغام السوري وتدفع نحو حل سياسي يرسم سياسة أميركية قابلة للحياة في الشرق الأوسط أم سيتحول إلى قلعة إضافية من قلاع النفوذ المنتشرة على الأرض السورية وتساهم في تكريس الانقسام الحاصل في هذا البلد؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تتأخر نظرا إلى الوتيرة السريعة للتطورات في الميدان.

بقلم : أمين قمورية

امين قمورية