كتاب وأراء

أقوال بلا أفعال

هناك حكمة قديمة تقول: أن نندم على الصمت أفضل من أن نندم على الكلام» وذكر «جواهر لال نهرو» في قصة حياته حادثة أثبتت صحة النهج الذي خطه لنفسه وسار عليه.. وهو عدم الوقوع في فخ الجدل العقيم الذي لا يؤدي الا للخصومة والعداوة... مع إيمان عميق بهذه المقولة «كلما كثر كلامك كثرت أخطاؤك».
في لندن في بداية هذا القرن أنشأ بعض الطلاب المثقفين من الهنود جمعية خاصة بهم، وكانوا يناقشون أثناء اجتماعاتهم فيها الأمور السياسية في بلادهم بشكل متطرف، كانوا بالضبط كما وصفهم نهرو: «متحمسين زيادة عن اللزوم ومتطرفين زيادة عن اللزوم» أما الطالب «نهرو» فكان قليل الكلام، لذا كان عرضة للوم والانتقاد، وكان زملاؤه يتهمونه بقلة الحماس والوطنية والإيمان بالقضية، ومرت سنوات عاد فيها الطلاب المغتربون إلى أرض الوطن ومعهم نهرو الذي كتب مندهشا بعد فترة: «لقد وجدت هؤلاء المتحمسين بإفراط قد أصبحوا موظفي إدارة الانتداب الانجليزية في البلاد، ولم يكن لهم أي دور في الحياة السياسية، لقد تبخر سخطهم على الإنجليز بقدرة قادر، واختفى كل الحماس وكل الشعارات التي كانوا يزعقون بها، لقد أنستهم المكاتب الفاخرة التي أعدها لهم الإنجليز كل شيء»، وأثبت الرجل الذي كانوا يعيرونه بقلة الكلام وعدم الاهتمام أن الصمت لا يعني الخنوع والاستسلام، فقد تعرض للسجن والأذى لسنوات طويلة، ولمع اسمه واشتهر كأحد أهم الزعماء الذين طالبوا برحيل المستعمر، وأصبح فيما بعد أول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال، أما من كانوا يصرخون ويثرثرون فقد اختفوا من الساحة تماما... وهذا ما دفع الكاتب المصري «بهاء طاهر» لإطلاق هذه الصرخة المتألمة: «لا ألوم رجل الشارع البسيط في نظرته إلى المثقفين، لأنهم بالفعل منفصلون عن الشارع، عندما أستمع إلى نقاشاتهم داخل جدران اللجان والندوات، أشعر بالدهشة الشديدة، وأتساءل: لمن تصنع الدساتير والقوانين، هل يصنعونها من اجلهم أم من أجل عامة الشعب؟ إن تحرير الثقافة من العزلة والتواصل أكثر مع المجتمع والناس، من أهم الاولويات التي يجب أن ينشغل بها المثقفون الآن».
الناس الذين يعوزهم العمق والمنطق ورجاحة العقل والمرونة ومحاولة الفهم يعوضون ذلك بكثرة الكلام.. بالجدل والتطرف والتمسك بالآراء التي يؤمنون بها حتى النهاية!
باختصار ليست حقيقة الإنسان في ما يظهره لك كما قال «جبران خليل جبران» بل ما لا يستطيع أن يظهره.. لذلك إذا اردت أن تعرفه فلا تصغي إلى ما يقوله.. بل إلى ما لا يقوله.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري