كتاب وأراء

حرية عدم الاختلاط

فتاة قطرية جامعية فازت في انتخابات المجلس الطلابي تفاجأت بعدم وجود مجلس طلابي منفصل للبنات فطالبت بذلك، أو بتمكينها من حضور الجلسات عن بعد، وقد قوبل طلبها بالرفض..
قضية تصدرت وسائل التواصل الاجتماعي ما بين مؤيد، ورافض. قضية حضارية تبعث على الشعور بالراحة والفخر لوجود فتاة قطرية مثقفة تطالب بحقوقها المشروعة، السوية، وترفض ما تجده ضد مبادئها وما قد يتسبب بالضرر عليها وعلى سواها بغض النظر عن الفكر الرافض لمطالبها.. هذا أولاً.
الأمر الثاني كنت أتمنى من الجامعة التمهل في الاستجابة لهذا الأمر، ومناقشة الطالبة في هذا المطلب بطريقة حضارية منفتحة بعيداً عن الجمود، والسطحية
حتى تشجع طلابها على حرية الفكر، والجراءة في مناقشة مطالبهم، وآرائهم خاصة أننا بحاجة إلى الكفاءات التي تبدع، ومن هنا تكون البذرة، والجامعة الوطنية من مؤسسات الدولة التي يقع على عاتقها تخريج هذه الكفاءات، وعليها أن تكون بيئة خصبة لكل ذلك.
عودة إلى موضوع رفض الاختلاط، والمطالبة بمجلس مستقل للفتيات فإني أجده مطلبا سويا، على قدر كبير من العقلانية، والنضج لا مشكلة فيه خاصة أن السمة العامة لهذه الجامعة الوطنية هو عدم الاختلاط، وتوفير مجلس طلابي منفصل يأتي ضمن هذا الإطار.
منذ عدة سنوات تحدثت في مقال مفصل عن المساوئ الكارثية التي أفرزها الاختلاط المفتوح على مدى عقود طويلة في جميع دول العالم التي اعتمدت هذا النظام في حياتها وبنسب مخيفة ما عاد بالإمكان تجاهلها.
والمتتبع لقضايا الشباب وهمومهم يجد أن الاختلاط في الجامعات بالذات أوجد مشاكل حقيقية تعدت قدرة المجتمع على حلها، بل ودفعت الشباب للخروج بحلول ملتوية زادت الأمر سوءًا كظاهرة انتشار الزواج العرفي بين طلاب الجامعات المختلطة في بعض الدول العربية.
طبعاً هذه المشكلة غير موجودة لدينا، ولا نقبل بحدوثها، لكنني أردت أن أعرج إلى ما قد يوصل إليه فتح الباب لهذا الاختلاط غير المحمود.
وكما تحدثنا سابقاً بعيداً عن الطرح الديني الذي يتحسس منه مناصرو العولمة، والمنبهرون بقشور التطور الحديث، أعود لإطرح هذا الموضوع من منطلق تأثيراته السلبية الموثقة والتي أثبتت خطأ النظرية التي كانت هي المبرر، والمسوغ للمطالبين والمناصرين للاختلاط المفتوح، والتي تقول إن الاختلاط المفتوح، وتعود الجنسين على تواجدهم معا في كل البيئات، وفي مختلف الأعمار هو الذي يحل المشاكل الأخلاقية والاجتماعية التي قد تحدث فيما بينهم بمجرد التعود. وقد كانت النتيجة كما نرى. ومن يدَّع غير ذلك فليأتِ بأدلته، ودراساته لكي يقنعنا بالمنطق، وليس بمجرد التنظير السطحي، واتباع سياسة القطيع.
التطور الحقيقي هو تطور الفكر، والإدراك الذي يصحح الأخطاء، ويحافظ على القيم الإنسانية التي تحفظ كرامة الإنسان وقيمته الحقيقية، وليس مجرد التطور المادي الذي هو عبارة عن قشرة خفيفة، ما أسهل أن تسقط ليخرج من خلفها وحشٌ متربص رأيناه جلياً في كل الجرائم التي ارتكبها البشر في هذا العصر الحديث.

بقلم : مها محمد

مها محمد