كتاب وأراء

تونس.. ودرس مواجهة «المجهول المرعب»

ان تستيقظ فجأة فتجد جزءا من جسد الوطن، اقتطع.. فتلك مصيبة، واذا كان الاقتطاع القسري لصالح «المجهول المرعب» فالمصيبة اعظم بلا جدال.

على المصيبة الاعظم، استيقظ الاشقاء التونسيون، أو «التوانسة» الاثنين الماضي.

فالمجهول زحف إلى مدينة بنقردان، التي تبعد عن الحدود التونسية مع الجارة الليبية، مسافة لا تزيد عن «70» كيلو مترا، ليعلن اقامته لما اسماه «امارة داعشية».

يمكننا إذن ان نعتبر ما أقدمت عليه داعش في تونس، محاولة لتكرار تجربة الرقة السورية، والموصل العراقية بالنسبة للتنظيم، هذه المحاولة الإجرامية التي افشلها التونسيون، تسترعي عددا من الملاحظات المهمة، والجديرة بأن تؤخذ بعين الاعتبار، ذلك ان الشواهد تشي بأن التنظيم لن يكف عن محاولاته، ولن يتوقف عن جرائمه، ومن ثم تبقى التجربة التونسية على مرارتها مهمة لجهة مواجهة هذه المحاولات، وردع تلك الجرائم.

أولى الملاحظات، وان لم تكن اهمها، تتجلى في تلك الرغبة التوسعية لدى التنظيم، وتلك القدرات العسكرية، التي مكنته من قطع مسافة كبيرة في الاراضي الليبية، وعبور الحدود مع تونس واختراقها، وصولا إلى بنقردان، ما يعني اننا امام ما يصح تسميته بـ «الجيش».

وبغض النظر عن الاسئلة، التي اصبحت «بلهاء»، عن مصدر تلك القوة التي يتمتع بها التنظيم، والاجابات «السريالية» عنها، فإن الاهم، هو اليقظة الشديدة، لمحاولات يتوقع تجددها، خصوصا مع تزايد احتمالات توجيه الناتو، أو دول اوروبية لضربة للتنظيم في ليبيا، ما يرجح بحث عناصره عن مواقع جديدة، في دول الجوار.

أما ثاني الملاحظات، واهمها في رأيي، فهو ذلك التلاحم الشعبي الواضح والناجح والذي كان له اكبر الاثر في احباط واجهاض المحاولة الداعشية، فسكان بنقردان اختاروا الدولة التونسية، وانتصروا لها على التنظيم الذي يسمي نفسه «دولة».

صحيح ان الجيش التونسي، اثبت قوة ويقظة، في المواجهة، لعل مردها إلى تفرغه لمهامه المنوط بها دستوريا، الا ان عامل التلاحم الشعبي، كان له الاثر الاكبر، في تلك المواجهة، ما يجعل هذا التلاحم، وذلك الدور الشعبي بارزا وعظيما، هو تلك الحالة من التهميش والاهمال التي يعانيها سكان المحافظة التونسية الجنوبية، وهو ما دفعهم لاعتماد التهريب عبر الحدود مع ليبيا مصدرا اساسيا للرزق.

ما سبق يرتب ملاحظة ثالثة، أو هي خلاصة واستنتاج، مفاده ان لا بيئة حاضنة للإرهاب سواء في تونس أو في غيرها من البلاد العربية، وان الشعب الذي اختار المؤسسات الدستورية للدولة، لا يأمل الا في ان تختاره تلك المؤسسات، سواء على المستوى الإنساني، في ما يخص الحرية والكرامة، أو على مستوى العدالة الاجتماعية، التي توجب الكف عن ذلك التجاهل والتهميش للمناطق الحدودية، التي ثبت باليقين والبرهان، ان مواطنيها هم خط الدفاع الاول عن الوطن، وان هذه الأطراف هي من تحصن الأعماق، ضد «المجهول المرعب» وغيره من المخاطر.



بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى