كتاب وأراء

بين فهم وفهم

لا أستطيع أن أقول إنني لم اندهش انا التي لم يعد شيء يدهشني. حين اتهمتني صديقة عزيزة أثناء نقاش جرى حول شخصية سياسية «مسلمة» بالكفر.. أي والله بالكفر.. كافرة ومارقة عن الدين وأكره الإسلام فقط لأنني اختلفت معها في تقييم هذه الشخصية ورفضت اسلوب اللعنات والسباب البذيء لشخص لا نعرفه الا من خلال وسائل الاعلام.. في تلك اللحظة تجمدت أطرافي وانعقد لساني كما يقولون في الروايات!! أنت تستطيع ان تنفي عن نفسك صفة ما تتعلق بشخصك أو بأسلوبك في الحياة، لكن حين يتعلق الامر بعقيدتك.. بعلاقتك بخالقك.. ماذا يمكن ان تفعل أو تقول؟ هل تحضر سجادتك أو قرآنك لتبرئ نفسك من هذا الاتهام.. أو تحملهما معك في كل مكان من باب الاحتياط؟ هل تحلف «براس امك وابوك» ان هذا الاتهام باطل وغير صحيح؟ هل تفتح قلبك بمشرط، ليطلعوا على ما فيه أو ما ليس فيه.. حقا وصدقا عجيب أمرنا نحن المسلمين كما قال العالم الجليل «مصطفى محمود» رحمه الله، فنحن نعبد إلها واحدا.. ونطوف حول كعبة واحدة.. ونتوجه في صلاتنا إلى قبلة واحدة.. ونصطف في المسجد صفا واحدا.. ونقول جميعا.. آمين.. في نفس واحد.. ومع ذلك لكل منا إسلام خاص به يختلف عن إسلام الآخر.. وكل منا يفهم الإسلام على طريقته ويباشره في حياته بمفهومه الخاص، فالأمة الإسلامية فيها أكثر من 40% من ثروات وكنوز العالم، ذهب.. نفط.. يورانيوم.. حديد.. نحاس.. منجنيز.. الومنيوم.. غاز طبيعي.. فحم.. اراض زراعية.. ومياه.. ولا تستطيع أن تصنع من كل هذا قوة تنافس بها الكبار.. وسنغافورة رائدة التقدم الاقتصادي في آسيا ليس فيها أي شيء من هذا، حتى الماء تستورده من ماليزيا.. ومع ذلك سبقت أميركا واليابان في معدلات النمو.. لأنها أدركت كنزها الحقيقي «الإنسان» اليد الماهرة، والعقل النشيط، والهمة الوثابة، فانطلقت كالصاروخ... أين الأمة الإسلامية من الكنوز التي ترقد عليها؟ والله قد حباها بكنز آخر أعظم وأغلى وهو الإسلام.. أين نحن؟ أين نحن؟ نحن موتى في حاجة إلى بعث، ونيام في حاجة إلى اليقظة، وأشتات متفرقة في حاجة إلى قيادة.. وأيتام في حاجة إلى يد هادية، وبطل ينفخ في رمادنا ويشعل حماسنا.. لقد وصلنا إلى آخر الشوط.. نكون أو لا نكون.. نفنى أو نثبت صلاحيتنا ونؤكد وجودنا.. وقد بلغنا الحائط ودخلنا في المعركة النهائية مع النفس.. إن الجهاد الحقيقي لا يبدأ مع الآخر.. والصراع مع الآخر. إن الجهاد يبدأ في الحقيقة بالجهاد مع النفس، والصراع مع العدو القابع داخل النفس.. ابليس الانانية والتعصب، وشيطان الطمع والآثرة، وجنون الزعامة الفارغة.. إن الإسلام بدأ بثلاث عشرة سنة من التربية النفسية في مدرسة النبوة حيث تدرب الصحابة، وكان جهادهم الأكبر في تطهير نفوسهم، ليتحولوا بعد ذلك إلى نجوم هادية تجسد الفضيلة والنبل ومكارم الاخلاق. ولكن الناس في زماننا نسوا هذا الدرس وتكاثر دعاة الاصولية الغلاظ وتنافسوا في القسوة، وفي مطاردة المسلمين وإرهابهم بالنصوص حتى نفروهم من دينهم.. نعم نحن جميعا مسلمون ولكن شتان بين فهم وفهم.. والدين كما قال المفكر والباحث «يوسف زيدان» هو الايمان، بينما التدين يرتبط بمظاهر التعبير، الاول اخلاص، والآخر شكلي، الاول لب، والثاني قشر، وقد صرنا مائة في المائة قشريين، شكليين، متعبدين بغير إيمان، وشتان بين قلب مفعم بالايمان واليقين، ولسان زاعق بما هو غير مبين، وليس هو مراد الدين.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري