كتاب وأراء

الـعـبـاقـرة الـمـبـدعـون لا يـمـوتـون

تحـل اليـوم الـذكرى 115 لميـلاد الفـنـان العـبـقـري المجـدد محـمـد عـبد الوهـاب (تـوفي في 4/5/1991) أي إنـه عـاش تسـعاً وثـمانيـن ســنة. ياه .. كم تمـر الأيـام والسـنـوات سـريعـة، تصوروا، أكثر من ربع قرن مضى على غياب موسيقار الأجيال ولكن! هل غاب فعلاً؟ أم ما زال حيـاً أكثر من كثيـر من الأحياء؟ من يـنسى الأغـنيات التي لحنها سـواء تلـك التي غـناها بصوته أو التي قدمها بصوت غـيره؟ قيل إنه صنع 1800 لحن، لنفترض أن ألفاً منها سرقها من غـيره، أو كانت تافهـة، يـبقى له ثمانمائـة أغـنية لا يختلف اثـنان في جـودتها، أليس هـذا كافياً للحديث عـن خلوده؟ بلى، وأضف إلى ذلك روائع الأغـنيات التي لحنها وقدمها بصوتـه وأصوات الآخرين.
عرف محمد عبد الوهاب بلقب «موسيقار الأجيال» لأنه جدد نفسه باستمرار، ولم يتوقـف عند الصيغ القديمة التي ورثها عن الآخرين، وجارى تغير الأذواق من جيل إلى جيل. بدأ معـتمداً على صوته الذهبي، مؤدياً أصعب ألوان الغناء العربي، الموال والدور والقـصيدة والموشـح، ولكن طمـوحه كان يدفعه إلى اقـتحام عـوالم جديدة، فأدخـل كثيـراً من الآلات الموسـيقية إلى «التخت الشرقي» وكان بالتالي أحد أعظم من طوروا هذا التخت إلى فرقة موسيقية، كما أجاد الاقتباس من الموسيقى العالمية بأنغامها وإيقاعاتها. كما قدم الموسيقى البحتة في نحو خمسين قطعة موسـيقية على مدى أربعة عقود استخدم فيها طرقاً وأسـاليب مختلفة، وكان يمكن لهذه الخطوة مع خطوات فنانين آخرين أن تؤدي إلى ارتقاء التأليف الموسيقي العربي، لكنه حقـق نوعا من الريادة بفضل القواعد الجديدة التي أرسـاها، ولموسـيقى عبد الوهاب سـمات كثيرة يمكن جمعها تحت عنوان رئيسي واحد هو التحرر.
إن نموذج محمد عبد الوهاب فريد ومن الصعب أن يـتكرر، فما يجـود الزمان كل يوم بمثـل هـذا الصوت الماسي، لكن عبد الوهاب كان من الذكاء بحيث أدرك قبل غيره أن رنة صوته المعجـزة بدأت تـتضاءل، ولذلك بدأ منـذ الأربعـينات إدهاش المسـتمع بلون جديـد في تلحيـن القصائد ، وعلى ذكر القـصائد كان لمحمد عبد الوهاب فضل كبير في الارتقاء بكلمات الغناء العربي، ولا غرابة في هذا، فهو ربيب أمير الشعراء أحمد شوقي الذي كان معلماً له ومرشداً في الحيـاة، ومن أجله كتب أغـنيات بالعامية من أجمـل ما غـنى محمـد عـبد الوهـاب. ويعـود الفضل إلى محمد عـبد الوهـاب في اقـتحام عالم تلحيـن القصيدة متعددة القـوافي، منذ رائعـته الخالدة الجندول 1944.
محمـد عـبد الوهاب نموذج يحتذى لمن يسـتعجلون النجاح والشـهرة، لكنهـم كنار القـش التي تتأجج بسرعة، وتنطفئ بالسرعة ذاتها.

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين