كتاب وأراء

والدي الفنان

الكلمات بالنسبة لي.. هي الحجارة بالنسبة لوالدي.
أعرف هذا كلما تذكرت ذلك الالق الأخاذ الذي يشع من عينيه ويغير لفترة قصيرة طبيعة كونهما محمرتين دائماً نتيجة الإرهاق المتراكم.
والدي بناء غير محترف، الأمر بالنسبة له لا يتعلق بالدخل، هو مزارع، يمتلك مزرعته الصغيرة، التي يستطيع من خلالها تدبير ما نحتاجه من نقود بطريقة أقل مشقة.. إذا الأمر لا علاقة له بنا، ولا بالنقود.. الأمر له علاقة باكتشاف فطري للهواية، وبميول تغذيها طبيعة خاصة، له علاقة بالتغلب، الظفر، الانتصار الذي لا يمتلك غير الثناء عليه كل من يشاهده، إذ إنه انتصار لا يقبل الشك على عشوائية الأطراف غير المتساوية للصخور، ترويض وحشية الحجر ورفضه للامتثال للأشكال الهندسية، ثم الأمر، لو سمحت لنفسي، له علاقة بطبيعة الفنان داخله، تعويض ربما عن كونه لم يصبح شاعراً، هو الطويل، والجميل وهما الصفتان اللتان ظن أنه قطع بهما نصف المسافة باتجاه الشعر، تلك المسافة التي لم تكتمل يوماً..
عرف الناس جديته في موضوع البناء هذا، لذا كان المفضل للاستعانة به عند أصحاب العمل، كونه، وتحت ضغط لهفته، لا يناقش موضوع الأجر، وغير متخصص، ذلك التخصص الذي يشيعه محترفو المهنة لإضفاء رفعة إضافية على ما يقومون به.. كان يبني كل شيء، شريطة أن يكون الحجر الصلب هو المادة الخام لهذا البناء: منازل وسدود، وجدران حظائر، وحدود أودية، وكان يقبل كل العروض، وفي مرات كثيرة كان يتطوع لإصلاح بعض الأبنية في القرية، يدفعه في ذلك أمران: حس المساعدة، وتوقه السري للتغلب على الحجر..
عموماً هو الآن أمام كومة جديدة من الحجارة، وقد وصلت سيجارته إلى المنتصف، ولم يتبق وقت طويل كي ينهض ويرص حجره الأول في جدار قد انجز وتشكل مسبقاً في ذهنه..
هو في البداية لا يحتاج إلى مساعدة، عندما تكون المداميك منخفضة، ويكون بمقدوره وقتها تناول ما يراه مناسباً من كومة الحجارة المجاورة.. وكان العمل وقتها يسير بدون لذة واضحة نتيجة للوفرة في الاختيار.. لكن وما أن يرتفع الجدار قليلاً، ويصبح النزول ثم الصعود مجدداً بحجر جديد، شاقاً وليس بمقدوره القيام به وحده، يصبح عندها الاستعانة بمساعد أمراً لا مفر منه.. وفي هذا التوقيت تحديداً، ومع أنني وقتها صغير جداً، إلا أنها الذكرى التي ما برحت تعاودني باستمرار، وأعود لتذكرها كلما وقفت أمام كومة كلمات جديدة، وفكرت- في تقليد محض- بالقيام ببناء جدران متقنة من الجمل.
على كل، يختار أبي عاملاً دون شرط، وكان يقبل، وأشعر به يفضل، عاملاً قليل الخبرة، حتى لا يتم مشاركته في الاقتراحات: يتناول أبي الحجر من العامل، ينظر له، ثم يقوم بتقليبه في يده عدة مرات متأملاً كل وضعية ممكنة له، وفي النهاية يقع اختياره على إحدى هذه الوضعيات، راسماً ابتسامة صغيرة كل مرة يقوم فيها بهذا الأمر.. وأنا هناك، ساعات طويلة، أتابع بدهشة، هذا والتناسق الإحكام للجدار الذي يزداد علوه ببطء.. وتزاد نشوة والدي علواً، ويظهر استمتاعه الطاغي الذي لا يقبل الجدل، عندما يصل إلى بناء الحبكة في نص جداره- وهي ما أود الوصول لها يوماً في جدار نصي- أي عندما يكون عليه إنجاز بناء زاوية.. أنظر إليه هناك، فوق، مثل ملك، ملك جميع الجدران، يطفح من وجهه سعادة التوقع، تلك التي يشعر بها كل فنان يثق أنه في طريقه لإنجاز عمل غير مسبوق.. يضع حجر الزاوية كما يقال.. ثم ينتصب واقفاً في جذل فنان حقيقي.. وأظنه كان يستمع وقتها لتصفيق مئات الأكف غير المرئية.. وعشرات الحناجر التي تردد... الله.. الله.. الله يا معلم.. الله عليك يا فنان، لينزل وقتها من على مسرحه الخاص.. منتظراً فرصة جديدة للظفر بنشوة إنجاز نص جديد من الحجارة.. أو فيما بعد- مثلما يحدث معي- من الكلمات.

بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد