كتاب وأراء

قضية دارفور وحكمة آل محمود

- 1 -
الزيارة التي قام بها إلى الخرطوم لمدة 48 ساعة سعادة أحمد بن عبدالله آل محمود، نائب رئيس مجلس الوزراء، الوسيط القَطَريُّ في ملف قضية دارفور، كانت قادرة على إرسال رسالة ذات أهمية عالية القيمة.
(اتفاقية دارفور تمضي في الطريق الصحيح وتجاوزنا الصعوبات التي مَرَّت بالتطبيق). مصدر الأهمية النوعية في هذه الرسالة أنها تزيل التشويش الذي سعى إليه البعض بأن اتفاقية الدوحة تتعثر، وتتباطأ في تنفيذها الخطوات، وترتخي الأصابع عن مواصلة الإمساك بملفها.
- 2 -
حينما سألت نائب رئيس الوزراء القطري في الحوار الذي أجريته معه بالخرطوم، ونُشِرَ على صفحات هذه الصحيفة، عما يقال عن تراجع الدور والاهتمام القطري بقضية دارفور والشأن السوداني، كانت إجابة آل محمود واضحة وشفافة حين قال: (نحن تربينا في كافة عهودنا على أن نقول الكلمة وننفذها، هذا مبدأنا، وما قلناه وتعهدنا به سيكون.. وقَفْنَا في أحلك الظروف وسنقف في الظروف الطيبة). ولآل محمود في ملف دارفور قصة ورواية ستتناقلها الأجيال السودانية، سيرة رجل أعطى من وقته وصحته ووجدانه ما ضَنَّ به الآخرون، طاف على القرى النائية بدارفور وجلس على الأرض، واستمع للنازحين، وتحدث للسياسيين ساعات النهار وطوال الليل.
ستحكي أقلامٌ وألسنٌ التاريخ:
كان الحكيم أحمد بن عبدالله آل محمود، على قامة التحدِّي، وعلى امتداد الأمل والرجاء، زاده في ذلك عزيمة لا تلين، ويقين لا تعتريه وَساوِسُ الشك، وصبرٌ لا يُخالطه ضجر، وحكمةٌ وتواضع من إرث الصالحين.
- 3 -
قطر تحت قيادتها الرشيدة سُمُو الأمير تميم وسُمُو الأمير الوالد حمد بن خليفة آل ثاني، فعلت كُلَّ المُمكن وبعضَ المستحيل من أجْل إنهاء دائرة العنف الكارثي في دارفور.
لا يُنكِرُ إلا مُكابرٌ الدورَ الرياديَّ لدولة قطر في إنهاء أبشع الحروب في القارة الإفريقية، وهي الآن بذات قوة الدفع وحماس البدايات وصدق النوايا، تُسهِمُ في تحقيق السلام والاستقرار والتنمية في دارفور.
وثيقة الدوحة ليست اتفاقية عابرة للعلاقات العامة، ولم تُكْتَبْ بحبرٍ باهتِ اللون سهلِ الإزالة، ولا هي اتفاق لتوزيع الغنائم بين أطراف الصراع.
وثيقة الدوحة تمَّتْ بمشقَّة وعُسْر وعصفٍ ذهنيٍّ جماعيٍّ لسياسيين وخبراء ومُختصِّين، وأهمُّ من كل ذلك تمَّت بمُشاركة ومُوافقة ودعم أهل المصلحة الحقيقية في تحقيق السلام بدارفور.
وحينما تمَّ الاتفاقُ عليها أُدْرِجَتْ في الدستور وأصبحت واجبةَ التنفيذ، مفتوحةً للإضافة، وغير قابلة للتعديل أو التحريف.
- 4 -
دارفور الآن ليست دارفور قبل وثيقة الدوحة؛ فلم تعدْ هنالك معاركُ عسكرية، ولا احتقانٌ سياسيٌّ أو اجتماعي، مثل الذي كان قبل أن تضعَ الدوحة أهل المصلحة الحقيقية في مواجهة واجباتهم تجاه تحقيق السلم والاستقرار.
نعم، سيكتُبُ التاريخ، أنَّ اتِّفاق الدوحة أهم اتِّفاق تمَّ توقيعه لإنهاء دوامة الحرب في دارفور.
77 مبادرة لتحقيق السلام منذ اندلاع الحرب في دارفور، كُلُّها باءت بالفشل ولم تبقَ إلا اتفاقية الدوحة صامدة تقاوم الصعاب ومؤامرات الكائدين.
-أخيراً-
لن تجد في كُلِّ ما كُتِبَ عن اتِّفاق الدوحة ودور قطر في إيجاد شفرة الحل، أبلغ ولا أروع مما كتبه صاحب القلم الشفيف هاشم بن كرار:
(قطر بالمحبة فهمت السودان.. وبالمحبَّة تفاهمت مع المُتخاصمين فيه.. المُتخاصمين من أجله.. وآل محمود لولا أن قطر قد أرضعته وفطمته وربته، وقوَّتْ عُوده بالمحبة، لما كان قد استقام عليها قلباً وعقلاً ورؤيةً وبصيرة.. ولما كان- من ثم- قد تابع بهمَّة ومُروءة وإخلاص، ترسيخ اتفاق وثيقة الدوحة لسلام دارفور، على الأرض التي تغطَّت بالدم والفظائع والصراخ والفرار).

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال