كتاب وأراء

الدكاكين الحزبية في الدول العربية

أعقبت موجات الربيع العربي حالة من الفوضى السياسية تمثلت في نشوء عشرات الأحزاب التي أسست في تلك الدول التي قامت فيها الثوارت حتى أن عدد الأحزاب في تونس بلغ في يوليو عام 2012 أكثر من مائة وعشرين حزبا مرخصا لها بخلاف الأحزاب التي لم تحصل على ترخيص والأمر يعكس باختصار حالة الفوضى التي وقعت فيها البلاد بعد ما يقرب من ستين عاما من سياسة الحزب الواحد.
هذه الظاهرة لم تكن في تونس وحدها وإنما ظهرت في ليبيا وبشكل أكبر في العراق التي تستعد الآن لإجراء الانتخابات البرلمانية حيث ينافس فيها ثمانون حزبا، وفكرة الأحزاب في تلك الدول قائمة كلها إما على الجهوية أو العائلية أو شخص يملك المال فيجمع حوله مجموعة من المرتزقة ينفق عليهم حتى يمنحوه لقب رئيس الحزب وهذه هي الأغلبية حيث لا تستطيع كثير من هذه الأحزاب أن تمثل الشعب حتى في بلديات القرى، والعجيب أن معظم هؤلاء لديهم أمية سياسية مفرطة ومشكوك في مصدر أموالهم وقفزوا بانتهازية شديدة على المشهد السياسي دون سابق إنذار، وليس لهم وجود أو تأثير خارج نطاق الأحياء التي يعيشون فيها، لكن الأحزاب السياسية في تلك الدول تحولت في معظمها إلى وسيلة للارتزاق مثل الدكاكين، وما هي إلا تجمعات هشة لا تحمل فكرا ولا مشروعا لشيء وليست سوى إفرازات لحالة التردي العام التي تعيشها الدول العربية في أعقاب محاولات إجهاض الثورات.
وأفضل نموذج على فكرة تأسيس الدكاكين السياسية هو ما قام به الرئيس المصري الأسبق أنور السادات حينما جمع ثلاثة من السياسين المصريين وطلب منهم في منتصف السبعينيات أن يشكلوا ما يسمى بالمنابر السياسية وأسس ثلاثة منابر هي اليمين والوسط واليسار وكانت لعبة سياسية ساذجة لبلد كان به أقدم نظام برلماني ملكي في المنطقة وكان الشعب يقوم بإسقاط الحكومات وهي في السلطة ليأتي بغيرها قبل أن يسيطر العسكر على السلطة عام 1952 ويحولوا مصر من أفضل نظام برلماني في المنطقة إلى دولة ديكتاتورية يحكمها العسكر، وقد طور السادات فكرته بعد ذلك إلى الأحزاب حيث كل منها كان له دور مرسوم وعدد مقاعد محدد في مجلس الشعب وفق اللعبة التي كان يديرها السادات، ومن يغضب عليه أو يخرج عن الدور المرسوم يتم حل حزبه أو تمليص أذنيه، لكن هذه اللعبة لم تدم لأن الدنيا قد تغيرت وانتشرت وسائل التواصل والإعلام المفتوح بينما بقي هؤلاء الحكام يمارسون الديكتاتورية والوصاية على الشعوب التي كانت ردة فعلها أسوأ بكثير فانتقلت من حالة الحزب الواحد إلى المائة وعشرين حزبا أو الثمانين حزبا أو بالأحرى دكانا سياسيا يبيع الوهم والفراغ للناس.

بقلم : أحمد منصور

أحمد منصور