كتاب وأراء

مُدرسة ابنتي العجوزة جداً

حدث أن سمعت حديثاً دار بين ابنتيَّ 8 و10 سنوات، حيث قالت ذات الثمانية لأختها:
هل تتخيلين يا «دانة» أن فلانة- تريد مدرستها- طلعت عجوزة جداً، عمرها 27 سنة.
فالتفتت أختها وبدا على محياها ذهول بالغ، ثم قالت: «مش معقول، اوعي تكوني بتكذبي.. استحالة في إنسان يصل لهذا العمر.. على كده، تعتبر من قدماء المصريين!».
فأقحمت نفسي في الحديث كلص اقترف حد السرقة، ثم راح يعدو مع الحشد ويكأنه يبحث معهم عن الجاني، فوضعت يدي على فاهي أريد تمثيل الاندهاش: معقول؟ 27 سنة، يا خبر.. لكن على كل حال أنا سمعت أن هناك بشرا وصلوا للخمسين.
فردت إحداهما: بني آدم ويعيش حتى خمسين سنة.. احتمال يكون الموضوع من خوارق الطبيعة.
وكان يزورني طوال الحديث هاجس فأطرده، فيعاود الزيارة والتطفل، فأقصيه بالإعراض، إلى أن تحول الهاجس لحقيقة حينما بادرتني إحداهما بالسؤال عن عمري.
يا إلهي لكم وددت ألا تفعلا، على أية حال، تلقيت السؤال الصدمة بصمت واجتهدت لتغيير دفة الحديث حيث إني ليست لدى لا الجرأة ولا الشجاعة لمواجهتهما بحقيقة عمري.
وحدث أن اقترفت كذبة كوني لا أحبذ أن يتم تصنيفي كعجوز أو وضعي في خانة قدماء المصريين.
لكنني لم أكذب حينما أخبرتهما أن مشاعر الطفولة لصيقة بالإنسان كتوأم ملتصق لا يسعى لعلاج هكذا التصاق لأنها تحل ذكرى أوائل الإدراكات وبراعم الأحاسيس وبشاير قطوف ثمار العمر.
- لكن ثمة قليلا من الأحداث تدق ناقوس الزمن لتستفيقنا وتحذرنا: «أفيقوا.. الزمن يمضي بل يعدو بسرعة الصوت، ولم تعودِي بعد طفلة صغيرة».
- ثمة أشخاص لم نقابلهم أو نراهم منذ الطفولة، لنتفاجأ بهم بعيد فترة وقد هرموا.. فندرك أن السنوات لا بد أنها مرت علينا تماماً كما مرت عليهم وبصمت بتجاعيدها على الجميع.
- ثمة جدود مضوا.. تبعهم آباء رحلوا، ليذكرونا أن دورنا آتٍ آتٍ.. والعجلة ستدور بنا أو بدوننا.. وستبرينا الأيام لتقصف أعمارنا كما برت وقصفت أعمار أهلينا وأرحامنا.
- ثمة زمن كنا ننادي فيه الجميع بألقاب، ثم تدور عجلة الزمن، لنجد أنفسنا نُنُادَى- نحن- بألقاب إِكبار، على أنها تشعرنا بالكِبَر.
- ثمة ممثلون كنا نتابعهم كنجوم شباك نتمثلهم ونحذو حذوهم حذاء بحذاء، واليوم منهم من أفل نجمه ومنهم من رحل وآخرون اعتزلوا.
- ثمة فئات من عملات كنا نتداولها، صارت اليوم ذكرى يتندر بها، كما كنا صغارا نسمع آباءنا يتندرون من عدم تداول النكلة.. عن نفسي لا أجرؤ على مصارحة بنتيَّ أني عاصرت التعريفة في طفولتي، ثم إنهما أصلاً لم تسمعا لا عن التعريفة ولم يتداولون بالقرش ولا حتى الشلن.
- ثمة أسعار قد تضاعفت ثم تضخمت كما كادت توشك على الانفجار لتحدث دوياً يوميا اعتاده الناس.. وأذكر اول مقال طالعته للصحفي مصطفى أمين في صباي، كان موضوعه عن «مصروفه الشخصي» الذي كان يقدر بقرش صاغ أسبوعياً وكان قد أسرف في ذكر محاسن هذا القرش الذي يكفيه لأسبوع كامل وقد يفيض.. واليوم لو شئت كتابة شبيه لهذا المقال عن «مصروفي أيام المدرسة» لكنت حذفت فقط كلمة قرش استبدالها بالجنيه.
ما أسرع اليوم عن البارحة، حتى أننا من سرعة إفلات الأمس من بين أيدينا، فإننا نحاول الإمساك بهما ولو بذاكرتنا.
عودة لبنتيَّ، فلقد حسبت أنني قد صرفت أنظارهما عن التقصي عن عمري، إلى أن بادرتني إحداهما بغتة: أخبريني أمي، هل كان قد تم اختراع السيارة على أيامك؟

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي