كتاب وأراء

لماذا تنحسر النقابات في المغرب؟

كانت هناك صورة لافتة نشرت في عدد من الصحف المغربية والمواقع الإخبارية كما انتشرت على شبكات الصحافة الاجتماعية، نهاية الأسبوع الماضي. كانت الصورة لقطة من مظاهرة نظمتها النقابات المغربية خاصة في قطاع التعليم بمدينة الرباط.
جمعت الصورة بين نقابي يساري يرفع راية حمراء ويرتدي قميصاً رسم عليه «المنجل والمطرقة» رمز الاتحاد السوفياتي الذي اندثر ورجل مسن من الواضح أنه من الجماعات «الأصولية». كان الشاب الذي أطلق العنان للحية كثة على طريقة اليساريين في أميركا اللاتينية يتحدث مع شيخ من «الإسلاميين» أسدل هو الآخر لحية بيضاء.
أثارت هذه الصورة الاهتمام في مظاهرة دعت إليها أربع من أهم النقابات في المغرب. الاهتمام ربما مرده إلى «المفارقة السياسية».
عدا الصورة التي تبين مفارقة سياسية، كانت المظاهرة متواضعة جداً إلى حد أن وسائل الإعلام المغربية لم تعرها اهتماماً، إذ لم يتعد عدد المشاركين في المظاهرة التي جابت شارع محمد الخامس في وسط الرباط، بضع مئات.
تلك المظاهرة تؤشر في الواقع على مسألة في غاية الأهمية، وهي الانحسار الكبير لنفوذ وشعبية وزخم النقابات في المغرب، ليس المغرب فحسب بل في كل المغرب العربي، حيث ظلت «النقابة» رديفة للحزب القوي والأوسع نفوذاً بل حتى الحاكم أحياناً كما كان الشأن في تونس على سبيل المثال، في علاقة «الحزب الدستوري التونسي» مع «الاتحاد التونسي للشغل»، أو في المغرب عندما كان «حزب الاستقلال» يعتمد على «الاتحاد المغربي للشغل» قبل أن ينقسم الحزب نفسه ويتأسس «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية».
لعبت النقابات دوراً أساسيا في الساحة السياسية في المغرب العربي خاصة في المغرب وتونس، لكن زخم هذه النقابات تراجع كثيراً في السنوات الأخيرة، إلى حد أنها انتقلت من مركز قوة يمكنه أن يسقط أي حكومة خاصة إذا استعملت سلاحها الأساسي أي «الإضراب» إلى مجرد «منظمات مدنية» تتودد للحكومات من أجل أن تبقى موجودة على الساحة.
يعتقد بعض المتابعين للشأن السياسي في المغرب أن تراجع النقابات سببه انتشار «ظاهرة العزوف السياسي» إلى حد أن من قرابة 16 مليون ناخب مغربي مسجلين في اللوائح الانتخابية ذهب إلى مراكز الاقتراع في أكتوبر الماضي خلال الانتخابات التشريعية أقل من سبعة ملايين ناخب فقط.
كما أن هناك ظاهرة أخرى أدت إلى انحسار الوهج السياسي للنقابات تتمثل في ظاهرة الانقسامات. إذ بعد أن كانت هناك نقابة واحدة (اتحاد عمالي) في كل من المغرب وتونس، أصبحت هناك عدة نقابات كل منها تدعي التمثيلية. هكذا أضحت ظاهرة توالد النقابات اكثر من لافتة. وهكذا أيضاً ظل الرحم السياسي والنقابي المغربي خصباً يلد باستمرار أحزابا سياسية ونقابات.
أكثر من ذلك انقلبت الآية، واتجهت النقابات إلى تأسيس أحزاب سياسية بعد أن كانت الأحزاب هي التي تؤسس نقابات.
اللافت للانتباه أن النقابيين في المغرب وتونس، في سنوات ماضية كانوا هم الذين يعملون على دعم الأحزاب من أجل توسيع قواعدها وشعبيتها، لذلك كان النقابي «الحبيب عاشور» في تونس، و«المحجوب بن صديق» في المغرب يشكلان في البلدين «رقماً سياسياً» يصعب تجاوزه.
المفارقة أن عاشور في تونس كان هو الذي تمرد على «الحزب الدستوري» ليصبح قوة سياسية في حين انقلب «بن صديق» على الحزب وأصبح جزءًا من رموز المنشقين على حزب الاستقلال.
كل ذلك أصبح الآن من الماضي، إذ في الحاضر لم تعد النقابات «بعبعاً» يخيف الحكومات في المغرب وتونس، بل أصبح النقابيون في البلدين مجرد «نمور من ورق» كما يقول التعبير الصيني الشائع.
بقلم : طلحة جبريل

طلحة جبريل