كتاب وأراء

منع التطرف.. إصلاح التعليم لا يكفي وحده


في أكثر من مناسبة، على الصعيدين العام والخاص، يجرى الحديث عن دور التعليم في منع التطرف، وبالمقابل هناك من يرون أن المواجهة تتم أولاً بالتخلص من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تصنع بيئة حاضنة للتطرف. وكلا الوجهتين صحيحتان، وليس من الصواب تصريف الجهد في واحد منهما دون الآخر، وإنما الاقتناع بأنهما متكاملان لا منفصلان، ومن ثم يتعين العمل في المسارين معاً في الوقت نفسه.
مصدر الخلاف بين المسارين يعود إلى النظرة للتطرف ذاته الذي يعنى ببساطة تجاوز الوسطية والاعتدال؛ فمن ينحازون إلى التركيز على دور التعليم ينطلقون من أن التطرف فكرة في المقام الأول والأخير، وأن الفكر لا يواجه إلا بالفكر، وبما أن التعليم هو المصدر الرئيس للفكر، ومن خلاله تصنع العقول، وتنتشر التربية على الأخلاق الحميدة، وبما أن التطرف مجرد فكرة تهيمن على صاحبها وتدفعه إلى تفعيلها على أرض الواقع، فإن المواجهة الناجعة للتطرف يجب أن تتركز في صياغة نوع من التعليم يحقق هذا الهدف، ولكن هناك توجه آخر يتعامل مع التطرف على أنه حركة ونشاط خصوصاً عندما يكون منظماً. وهؤلاء مقتنعون بأن أي فكر لا قيمة له إلا إذا اقترن بالعمل الذي يحوله إلى واقع، وينظرون للتطور الإنساني عموماً على أنه تفاعل بين الفكر والواقع، كلاهما يوثر في الآخر ويتأثر به، وبناءً عليه يتعين النظر للتطرف على أنه حركة ونشاط قائم على أرض الواقع أكثر من كونه مجرد فكرة، ومن ثم يتعين التعامل مع مواجهة التطرف بتوجه شامل بالوقوف على مجمل العوامل التي تؤدي إليه وولوج كل المجالات ومن بينها التعليم.
ومع وجاهة كل الحجج التي يطرحها أنصار المدرسة التي تركز على أن الفكر لا يواجه إلا بالفكر وتهتم إلى حد كبير بدور التعليم في منع التطرف، إلا أنه توجه في حاجة إلى مراجعة؛ فنوعية التعليم ليست دالة على التطرف من عدمه.
صحيح أن جماعات التطرف العنيف جذبت فئات من الشباب الذين تلقوا ما يسمى بالتعليم الهندسي (لا يسمح بالجدل والنقاش وتنوع الفكر)، ولكن الحقيقة المؤكدة أن الغالبية العظمى من خريجي الجامعات الغربية هم من الكليات الإنسانية، وقد انخرط قطاع كبير منهم في جماعات التطرف!
ولا شك أن عامل البطالة هو الأكثر دلالة في تفسير هكذا ملاحظة، فجميع الخريجين يتأثرون بها بما يدفعهم إلى اليأس، ومن ثم الميل إلى الارتباط بجماعات التطرف، وخريجو الكليات العملية هم الأكثر تأثراً سلبياً بعامل البطالة مقارنة بغيرهم.
أما حرص «داعش» على جذب هؤلاء فإنه يرجع إلى احتياجات التنظيم قبل أي اعتبار آخر بما أنه طرح نفسه على شاكلة الجيوش النظامية القوية ويريد أن يقدم نموذجاً بديلاً للدول الوطنية القائمة.
من جهة أخرى لا يمكن تجاهل العلاقة الجدلية بين الفكر والواقع، وعليه فإن التطرف في صورته المعاصرة شديد الصلة بالواقع الذي أفرزه وهو هنا تحديداً فشل الدولة الوطنية في القيام بمهامها الأساسية المتعلقة بتوفير أسباب الرفاهية والأمن والسيادة، وقت أن كانت الدولة الوطنية في عز مجدها لم يكن للتطرف وجود يذكر. ولكن الفشل أفرز فراغاً ساعد في حدوث ظاهرة جديدة هي وجود أشكال من «الجماعات» التي تملأ هذا الفراغ وتتحدى وجود الدولة الوطنية ذاتها، هذه الجماعات تنقل التطرف من نطاق الفكرة إلى نطاق الحركة خصوصاً عندما تكون محكمة التنظيم.
إصلاح التعليم وتجديد الخطاب الديني، كلاهما مهم، ولكنهما جزء من كل، لا يصح التعويل عليهما وحدهما لمنع التطرف، وإنما يتعين النظر إلى ذلك الكل المتعدد الأمراض الذي خلق بيئة حاضنة للتطرف، وما أكثر هذه الأمراض اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. عندما تعود الدولة الوطنية إلى أسباب نجاحها كما كانت عند توهجها في مرحلة الاستقلال الوطني، يختفي التطرف من تلقاء نفسه.
بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد