كتاب وأراء

كلنا أنا

من منا لا يستطيع تذكر لحظة معينة قلنا أو فعلنا فيها شيئا خاطئا لا يمكن تجاهله.. أو التنصل منه أو الادعاء بأنه أمر لا يستحق التفكير؟،من منا لم يتفوه بعبارة غير لائقة أو غير مناسبة أو جارحة أمام غرباء أو شبه غرباء.. وشعر بعدها بالخجل والندم والرغبة في الفرار أو الاختفاء لفترة من الوقت؟. من منا لم يُجب أجابة خاطئة ومتسرعة أو تافهة أو مهزوزة أو لا معنى لها أمام أناس يفترضون فيه الذكاء وحسن البديهة؟.. من منا لم يتعرض لغضب عارم أعمى بصيرته وأفلت لسانه من عقاله وتفوه بعبارات لا مجال لاسترجاعها أو التظاهر بأنها لم تقال؟، من منا لم يضع ثقته مرة وربما مرات في أناس ليسوا أهلا للثقة ولا يُرجى منهم خير أو نفع.. ثم استسلم للندم؟.. من منا لم يتعثر حقا أو مجازا واستولى عليه رعب من نظرة من شهدوا الواقعة وخاف من الشماتة أو القيل والقال؟.. من منا لم ينجرف لشهوة الحديث ورواية القصص المضحكة أو الشيقة ثم فوجئ وهو مستمر في السرد بشخص يتثاءب أو يعبث بجهازه النقال أو تشي تصرفاته بالملل؟. وهل حدث ووجدت نفسك في محفل وأنت..أنت المُحتفى به، جسدك مقيدا في مساحة محدودة وروحك تحلق بعيدا بلا مبالاة بالحفل المهيب أو بما ينتظر منك أن تفعله أو تقوله؟. وحين تُحاصر بالأسئلة أو يطلب منك الكلام تتلعثم وتخطئ وتفشل في لملمة شتات نفسك. وتحاول أن تكون ذكيا بقولك لم أفهم السؤال في حين أنك لم تسمعه من البداية.
حسنا لقد حدث لي كل هذا، ولا بد أنه حدث لك كما حدث لي، ولنا جميعا في وقت ما وإن اختلفت المواقف.. وفي كل مرة أمر بأحد تلك المواقف أستسلم للعزلة وأحاسب نفسي حسابا عسيرا يوصلني للسقم.. لماذا قلت هذا ولماذا فعلت ذاك؟.
لمَ لمْ أنتبه لخطوتي ولِم تفوهت بتلك العبارة دون تفكير؟، ولمَ لمْ أبذل جهدا في هذا وذاك؟.. ثم قرأت حكاية صغيرة جدا.. جدا... عن لاعب بيسبول أميركي يدعى «جون لوينستاين» حقق نجاحا كبيرا ولعب مع المحترفين لمدة ستة عشر عاما، وفي إحدى المباريات المهمة تعثر وفشل في إحراز هدف لفريقه، وقامت القيامة ولم تقعد، لقد نسي الجميع نجاحاته السابقة وتفرغوا لمحاسبته على خطأ غير مقصود، وبدلا من أن يتذلل ويعتذر ويبدي ندمه لجماهيره وللصحافة، هز كتفه بالامبالاة وقال: حسنا هناك مليار نسمة يعيشون في الصين، وغدا وربما للأبد لن يعرف أحد منهم أنني أخطأت في ضرب الكرة لذا رجاءً التزموا الهدوء..
أية حكمة في هذا الرد الموجز.. نعم هناك الملايين من البشر الذين لا يعرفون أنك أخطأت في الرد أو تعثرت أثناء سيرك أو فشلت في الحصول على جائزة أو تقدير تستحقه.. وهناك أكثر من مليار في الصين وغيرها لم يسمعوا باسمي ولا باسمك أيا كنت ولا يعرفون بوجودك حتى.. لذا لا تقسو على نفسك.. وتذكر أن ما مررت به يمر به الجميع.. دون استثاء...

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري