كتاب وأراء

المواطن كقيمة.. والمواطن كسلعة

يهمني جداً أن يعي المواطنين أننا اليوم نمر بمرحلة مجتمع الاستهلاك، بعد أن عاش آباؤنا وأجدادنا مرحلة الإنتاج، لذلك كل ما تركوه لنا من نشاط كان تراثاً محملاً بقيم الإنتاج، ومرتبط ارتباطاً وثيقاً بتلك المرحلة، مرحلة الإنتاج، لذلك هناك ارتباط وثيق بين العمل والقيَم، أو بين العمل وقيمه.. أياً كان طبيعة هذا العمل أو النشاط، اليوم في مجتمع الاستهلاك فُصلت القيمة عن العمل أو النشاط، فحينما نمارسه، نمارسه كنشاط أو عمل وليس كقيمة.. ولي هنا بعض الملاحظات أود لو أذكرها:
أولاً: مجتمع الإنتاج، مجتمع خيال واسع وابتكار دائم، فجميع نشاطاته وفنونه، نشاطات وفنون تحمل قيَماً فتعلى من الإنتاج كقيمة، بينما مجتمع الاستهلاك، تنفصل القيمة عن العمل، فتصبح القيمة مجرد ترفيه أو قيمة ترفيهية، تزيد من حدة الاستهلاك بمعزل عن الإنتاج.
ثانياً: يمكن ملاحظة ذلك بوضوح في التكالب المستمر على الطلب على بعض السيارات في هذه الفترة من هذا العام للحصول على موديلات العام القادم قبل أن يبدأ بثلاثة شهور، بما في ذلك إرجاع موديلات العام الحالي الذي لم ينقض بعد جرياً وراء غريزة الاستهلاك، بينما كانت القيمة الإنتاجية في السابق هي القيمة الحاكمة، حيث تستخدم السيارة بعيداً عن حمى الموديلات والتسويق طالما هي قادرة على تحمل قيمة الإنتاج التي يضطلع بها المجتمع في ذلك الوقت.
ثالثاً: نشاطات التراث التي تزدهر في هذا الوقت من كل عام، القلايل، سنيار، الحَبال، الهدد وغيرها.. أيضا تدخل ضمن نشاط مجتمع الاستهلاك وأصبحت كذلك قيماً استهلاكية، بينما هي في الأصل قيم ذات بُعد إنتاجي في المجتمع في عقود الآباء والأجداد، وارتباطها بالجوائز الكبيرة دليلاً على انتقالها إلى هذا الحيز الاستهلاكي.
رابعاً: مجتمع ما قبل «الريع» مجتمع إنتاجي، بينما مجتمع الريع الذي نعايشه مجتمعاً استهلاكياً.
خامساً: مجتمع الريع يقوم على ما يسمى بالفرصة التاريخية التي أمكن للمجتمع اقتناصها أو تضييعها، بحيث يجعل من قيم الريع قيم إنتاجية أم قيم استهلاكية، فكلما اتسعت دائرة عدالة التوزيع مال المجتمع إلى قيم الإنتاج على حساب قيم الاستهلاك.. والعكس صحيح.
سادساً: الخطورة حينما يصبح المجتمع كله خارج قيم الإنتاج ويصبح فقط قيمة استهلاكية لا أكثر، كما نرى بوضوح.
سابعاً: الأخطر من ذلك عندما يفقد حتى القدرة في التحكم في قيم الاستهلاك وينعدم تأثيره بشكل كبير في ذلك، ويتحول إلى أقلية غير مؤثرة إنتاجياً واستهلاكياً كذلك.
ثامناً: إدراك خطورة عدم تأثير المجتمع أو مجتمع المواطنين في خيارات الإنتاج والاستهلاك يضع المجتمع بين قوسين أو فائض عن الاستهلاك.. ناهيك عن الإنتاج فيصعب بالتالي صياغة بنية فوقية جمالية أخلاقية ثقافية تحافظ على هويته وكيان وجوده.
تاسعاُ: لذلك نحن سائرون في منحدر استهلاكي خطير ما لم نعيد ارتباط العمل بالقيمة والدين بالأخلاق كذلك فمن لا ينتج يقلل ذلك من إيمانه وإن اعتكف في المسجد وطال اعتكافه، ولا يتأتى ذلك دونما إنشاء طبقة عمالية مؤثرة تتمتع بمستوى مادي جيد يجعلها تشعر بقيمة العمل والإنتاج، هذه ضرورة وأن يتحاشى البعض طالما الريع يسد الحاجة، لكن بقاء المجتمع واستمراره مرهون بإنتاجه ومدى مساحة الطبقة العاملة الفنية فيه، نحن مجتمع بلا طبقة عمالية تنتج وبطبقة كبيرة، بل كل مجتمع طبقة مستهلكة، هذا الأمر سيضر على المستوى الطويل بملاك الريع أيضاً، لأن العمالة الأجنبية في إطار التوطين عالمياً وفي حالة تجنيسها هي أشد خطورة من العمالة الوطنية لراديكاليتها، فهي بلا ثقل تاريخي يمكن لها أن تراعيه داخل مجتمع الإنتاج.
عاشراً: «أرأيت إن فقأت عينيك ووضعت بدلهما جوهرتين ثمينتين هل ترى؟ هي أشياء لا تشترى» أمل دنقل.. بالضبط لا يمكن أن تحل عينا العامل المستورد الزرقاويتان، محل عيني ابن البلد اللتين امتلآ بعجاج السنين.
بقلم: عبدالعزيز بن محمد الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر