كتاب وأراء

الإدارة «الترامبية» وإطلاق الرصاص على الساقين !

واضح أن السيد ترامب سيحاول تنفيذ ما وعد به جمهور ناخبيه أثناء حملته الانتخابية العام الماضي. وهو يعتقد أنه سيعيد إلى أميركا عظمتها ومجدها الذي يدعي أنها افتقدتها خلال الثماني سنوات الماضية تحت إدارة الرئيس «الشيوعي» «غير الكفؤ» الملون باراك أوباما!
سأركز في هذه المقالة على سياساته الاقتصادية المحلية التي ينوي تنفيذها والتي اتضحت معالمها من خلال مقترح الميزانية الفيدرالية التي قدمها للكونغرس للموافقة عليها.
وبالنظر إلى الخطوط العريضة لهذه الميزانية نجد أن الفلسفة الاقتصادية التي تقوم عليها هي نفسها التي تم اتباعها أبان حكم الرئيس الأميركي «رونالد ريجان» 1980-1988. هذه الفلسفة الاقتصادية التي تقوم على مبادئ الاقتصاد الحر «غير المقيد» والتي تركز على جانب العرض وتمت تسميتها في عهد «ريجان» بنظرية «اقتصاديات الثمار المتساقطة» أو «اقتصاديات انسياب المنافع» TRICKLE DOWN ECONOMICS.
وتقوم النظرية على إعطاء حوافز ضريبية كبيرة لأصحاب الأعمال والمستثمرين والمنظمين والأغنياء بصفة عامة. وتكون هذه الحوافز عادة في شكل تخفيضات حادة في الضرائب مع تسريع لمعجلات اهلاك رأس المال وكذلك إعفاءات لأصحاب الدخول المرتفعة في شكل تخفيضات على ضرائب الأرباح الرأسمالية ويمكن أن يصحب ذلك تخفيض في ضرائب المواريث مع تقليل لتكلفة أنشاء واقامة الشركات الجديدة.
هذا كله على أساس أن هذه التخفيضات والمنافع سيقوم رجال الأعمال وأصحاب الدخول المرتفعة بتحويلها إلى توسع في الاستثمارات وإنشاء شركات جديدة مما سيؤدي إلى ارتفاع في الطلب على العمالة وبقية موارد وعناصر الإنتاج وبالتالي زيادة في الأجور والدخول للجميع.
وهكذا تنساب المنافع من أعلى (أصحاب الأعمال وأصحاب الدخول المرتفعة) إلى أسفل الهرم (حيث العمالة وأصحاب بقية عناصر الإنتاج من موردين ووسطاء). وتدعى هذه النظرية أن انخفاض حصيلة الضرائب الذي ينجم عن تخفيضها في البداية لأصحاب الأعمال وذوي الدخول المرتفعة سيتم تعويضها بعد ذلك حين ترتفع دخول العمال وأصحاب عناصر الإنتاج الأخرى.
فهل درس السيد ترامب هذه التجربة «الريجانية» وما تمخض عنها؟ نعم في البداية تم تحفيز رجال الأعمال على التوسع والاستثمار وذادت معدلات النمو في أميركا ولكن محصلة التجربة هي أن عجز الميزانية تفاقم وأصبح الدين العام في أميركا عند نهاية حكم ريجان في 1988 ثلاثة أضعاف حجمه عندما تولى الرئاسة في 1980. وبسبب تركيز ريجان على الأنفاق العسكري بسبب منافسته الشديدة للاتحاد السوفياتي وقتها فلقد زاد الإنفاق العسكري بنسب غير مسبوقة (تماما كما يحاول السيد ترامب أن يفعل الآن). ولكن إذا كان ريجان قد أفلح في هزيمة الاتحاد السوفياتي وتقسيمه وجعل أميركا القطب الأوحد في العالم فلا يوجد ضمان الآن على أن ما يقترحه السيد ترامب سيمكن أميركا من هزيمة «داعش» أو المجموعات الإرهابية الأخرى أو حتى بقاء أميركا على قمة الهرم العالمي بل على العكس كل السياسات الخارجية «الترامبية» تنبئ بأن أميركا ستتنازل عن هذه المكانة العالمية.
ولعل أهم الآثار السلبية التي تركتها سياسة ريجان الاقتصادية والتي لا يبدو أن هناك أي نية على تجنبها إذا كرر السيد ترامب التجربة هو ازدياد عدد الفقراء في اميركا والتوزيع السيئ للغاية للدخول والثروات التي خلفتها هذه السياسة.
فالنتيجة العملية لنظرية «تساقط الثمرات» أوضحت أن الثمار لم تسقط أو أنه تم التقاطها بواسطة بعض المنتفعين أو الفاسدين أثناء سقوطها وأدى الأمر أن الثروة في أميركا تم تركيزها بشكل غير مسبوق في أيدي حفنة قليلة من الأثرياء. وصل الحد الآن إلى أن 35 % من الثروة في أيدي1 % فقط من السكان.
يجدر بالذكر أن دولنا العربية قامت بمحاكاة (كالعادة) ما قامت به حكومة ريجان من الناحية الاقتصادية واتبعت سياسة الثمار المتساقطة فكانت النتيجة ثورات الربيع العربي! وضياع ثمار التنمية.
ومن ثم أتعجب من أن تقوم الإدارة «الترامبية» الجديدة بإعادة التجربة كما هي وبكل مساوئها مما يدعونني للتساؤل متى ستتوقف هذه الإدارة الجديدة من إطلاق النار على ساقيها؟
بقلم : د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي