كتاب وأراء

كثيـــراً مـا نقـرأ «7»

ترددت هذه الكلمة كثيراً في نشرات الأخبار «شفير» فتقرأ على الشاشة أو تسمع «الملايين على شفير الموت جوعاً في الدول التالية» ولا يلفت الانتباه في الجملة إلا كلمة «شفير» لأنها غير مألوفة في لغة اليوم. شفير الوادي: حدّ حرفه، وكذلك شفير جهنم والعياذ بالـلـه. وشفير كل شيء حرفه كالوادي والبئر ونحوهما. وقد وردت الكلمة عشرات المرات في الشعر العربي، قال أبوتمام:
مَـكـْراً بـنى رُكـنـيــه إلا أنـّـه وطـَد الأساس على شفيرٍ هارِ
ولم ترد الكلمة في القرآن الكريم، ولكن القرآن أورد مرتين كلمة «شفا» الأولى في سورة آل عمران في قوله تعالى «وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها» والثانية في سورة التوبة «أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار» والجرف ما أكل السيل من أسفل شقّ الوادي أو النهر، و«هار» متساقط ومنهار. ألا نستطيع القول: على حافة الموت جوعاً؟
قال أبوفراس الحمداني في قصيدته الشهيرة «أراك عصي الدمع»:
أُسِرْتُ وما صَحْبي بعُزْلٍ لَدى الوَغى، *** ولا فَرَسي مُهْرٌ، ولا رَبُّهُ غُمْرُ
وكثيراً ما نقرأ «وقتل أكثر من خمسين من المدنيين العزَّل» فأيهما الصح وأيهما الخطأ؟ بسكون «الزاي» أم بتشديدها وفتحها؟
العُزُل والأعزل: الذي لا سلاح معه، قال الشاعر مادحاً:
وأَرَى المَدينَة، حين كُنْتَ أَميرَها*** أَمِنَ البَرِيءُ بها ونام الأَعْزَلُ
وقد وردت الصيغتان في الحديث الشريف. وقد يجمع «العزُل» على معازيل، قال كعب بن زهير في قصيدته الشهيرة «بانت سعاد» مادحاً المهاجرين:
زالوا فما زال أنكاس ولا كُشُف عند اللقاء ولا مِيل معازيل
إذن الكلمتان صحيحتان لا فرق بينهما، ولكنهما لوصف الجمع وليس الفرد.
عندما يصدر قرار رسمي يذيَّل بعبارة «يعتبر لاغياً كل قرار يخالف أحكام هذا القرار» وكثيراً ما قرأنا مثل هذه العبارة في القوانين والمراسيم والاتفاقيات، وهو خطأ شنيع يتردد على ألسنة كثيرين وأقلامهم. «يعتبر لاغياً» هو اسم فاعل بصيغة النصب، فما فعله؟
لغا يلغو لغْواً: أخطأ وقال باطلاً، واللغو في اليمين إذا حَلَفَ بيمين بلا اعتقاد، ووردت الكلمة ست مرات في القرآن الكريم، قال تعالى في سورة البقرة «لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم» وإذا قلنا «كل اتفاقات مخالفة لهذا الاتفاق تعتبر لاغية» نكون قد أفحشنا في وصفها، قال سبحانه في سورة الغاشية «في جنة عالية، لا تسمع فيها لاغية» فكلمة لاغِية: فاحشة. وقيل أَي كلمة قبيحة أَي لا تسمع باطلاً ومَأْثماً.
ويقال: ألغَيت هذه الكلمة أي رأيتها باطلاً أو فضلاً، كذلك ما يلغى من الحساب، وألغيت الشيء: أبطلته، وكان ابن عباس رضي الله عنهما، يلغي طلاق المكره، أي يبطله، هي إذن ألغى يلغي: أبطل يبطل، واسم الفاعل منه «مُلغي» واسم المفعول «مُلغى»
ما أكثر ما نقرأ «وكان هاوياً صيداً ورحلات» ونقرأ «وكان من هواة جمع الطوابع» ونقرأ «وكان قيس يهوى ليلى» أما الفعل «يهوى» فلا خطأ فيه، ومنه الهوى، قال العلماء: الهوى العشق، يكون في مداخل الخير والشر. وهَوى النفسِ: إِرادتها، والجمع الأَهْواء قال تعالى «ونهى النفس عن الهوى» معناه نهاها عن شهواتها وما تدعو إِليه من المعاصي، لكن المشكلة في اسم الفاعل «هاوٍ وهاوية» وفي الجمع «هواة»، لأن اسم الفاعل «هاوٍ» من الفعل هوى، فهو يعني سقط، وهوى العقاب على الصيد: انقضَّ، ويقال: هوى إليه وأهوى إليه، وهَوَت يدي للشيء وأهْوت: امتدت وارتفعت، وقال بعض العلماء: هوى إليه من بُعد، وأهوى إليه من قرْب. فالفعل من «الهوى» هوي، نقول: كان يهواها، ولكن ما اسم الفاعل في هذه الحالة؟ إنه «هويّ» أما اسم الفاعل «هاوي وهاوية» فمن الفعل «هوى»، وهنا ستعترضنا معضلة، هي جمع هذا «الهوي» يجب أن يكون «هوون وهوين» أما الهواية والهواة فاختراع حديث، كيف نحل هذه المشكلة؟
أرى أننا لا نقترب من المعنى الأصلي للفعل وهو سقط، ولكننا لا نستعمله إلا مع «الهوى» بمعنى هوى النفس، وأما الهاوي بمعنى غير المحترف فنبقيها، لأننا لن نقترب من الهاوي بمعنى الذي يهوي، ونبقي الهواة، كما نقول: الحاوي والحُواة، والساقي والسُقاة.
عندما يتحدث العامة عن رجل ما ويمدحونه، يقول لك المتحدث «شرواك بالخير» ويذكرنا هذا بجملة نقرؤها كثيراً «لا يملك شروى نقير» ونعني بها الفقير المعدم، فما معنى هاتين الكلمتين؟ الأصل في شروى أنها مشـتـقـة من الشِـراء، وشـروى الشـيء مثله. ويقـال: هـذا شـرواه وشَرِيُّه. وقال عمر بن الخطاب رضي الـلـه عنه: فلا يأخذ إلا تلك السِـنَّ من شـروى إبله أو قيمة عَـدْلٍ. أي من مثل إبلـه. وقـضى شـريح الـقاضي على صبّـاغ أتلف ثوباً بشـروى الثوب أي بمثله. النَّقر والنُّقرة والنـقِير: النُكْتـة في النواة، كأن ذلـك الموضع نُقر منها. وهي نقطة صغـيرة في نواة أي ثمـرة يكون موضع الإنبـات منها. ولنلاحظ مدى صغـر الشـيء وتفاهته وقلـة قيمته. إذن «شـروى نقير» تعني شـيئاً عديم القيمة، كهذه النقطة في نواة الثمرة. قال تعالى «أم لهم نصيب من المُلك فإذاً لا يُؤتون الناس نقيراً».
فوجئت في إحدى المقالات بالكاتب يقول «فهو إذا آثر هذا قمين بأن...» وكنت أظن أن هذه الكلمة انقرضت على ألسنة الناس وأقلامهم، ولا تجدها إلا في الكتب القديمة وتساءلت عن مدى صحتها، وروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إِني قد نُهيت عن القراءة في الركوع والسجود، فأما الركوع فعظموا الله فيه، وأَما السُّجود فأَكثروا فيه من الدعاء، فإِنه قمِن أَن يُستَجاب لكم، يقال: هو قمَنٌ أَن يفعل ذلك، وقمِنٌ أن يفعل ذلك، وهو قمين بأن يفعل ذلك أي حرِيّ، والكلمتان من الكلمات التي انقرضت، ولم أقرأها منذ سنوات طويلة في الكتابات الحديثة.
كثيراً ما نقرأ في الكتب القديمة «لا تثريب عليك» ونفهم المعنى عامة بأنه: لا بأس عليك (والعامية المصرية تقول: لا بأس عليك، والمغاربة عامة يستخدمونها كثيراً في السؤال عن الأحوال) ولكن ما معنى تثريب؟ أما المصيبة فهي أن يقرأها الذين تضايقهم الحروف اللثوية (الثاء والذال والظاء) فتصير: تسريب.
التثريب كالتأنيب والتعيير والاستقصاء في اللوم، والثارب: الموبّخ، ثرَب وثرَّب وأثرب: وبّخ، وقالوا: مثرِب قليل العطاء: هو الذي يمن بما أعطى، وثرَّب عليه: لامه وعيَّره بذنبه، وفي كتاب الله الكريم «قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم» (92 سورة يوسف) قال اللغويون: معناه لا إفسادَ عليكم. وقالوا: معناه لا تذكر ذنوبكم.
* قال صلى الله عليه وسلم «أكثر أهل الجنة البُلـْه» والبله جمع أبله التي نقرؤها دائماً بمعنى «أحمق» فكيف يستقيم هذا وذاك؟ أصل الخلاف أن الأبله هو الذي غلب عليه سلامة الصدر وحسن الظن بالناس، أي من نسميه «طيب القلب والسريرة» وهذا يعني أنني أبله لأنني أردد دائماً «كل إنسان خيّر إلى أن يثبت العكس».

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين