كتاب وأراء

على مقهى .. ذات يوم

تنهد بعد أن جلس على الكرسي وقال: يا عمي الله راضي على البلاد وأهلها، الجو دائما جميل أو ممطر والخضرة في كل مكان والإنسان يشعر بالحرية والنظام والقانون هو السائد، ثم أكد قائلا: أتصدق ان صاحب التاكسي الذي نزلت منه للتو قال لي إنه رفع دعوى ضد وزير البلدية لعدم قيام الدولة بدورها في تنظيف منطقته التي يسكنها مطالبا إياه بإرجاع قيمة ضرائبه التي يدفعها لذلك؟!
سألته: أأنت مواطن هنا؟، قال: نعم منذ عشر سنوات، وسألته كذلك: لم تركت وطنك؟، أجاب هو الذي تركني وأرغمني على الهجرة، قلت له: كيف؟
قال: سرقه السارقون واستولى عليه اللصوص، ولعب في خيراته الأقوياء والمتنفذون، لم يعد وطنا، أصبح جحيما لا يطاق، ثم اردف قائلا: أتعرف عدد العرب الهاربين طوعا أو كرها من اوطانهم المقيمين في هذا البلد العلماني، انهم يتجاوزون مئات الالوف، ربعهم على الأقل أو اكثر هربوا بدينهم ومعتقداتهم بعد ان ضيق عليهم هناك وسجنوا وعذبوا بسبب ذلك.
قلت له: إذن انت ترى في العلمانية ملاذا من الاضطهاد الديني والتعسف الإنساني؟. قال لي: هي كذلك، انا أمارس عباداتي في المسجد القريب من منطقتي، وأصوت في الانتخابات البلدية والسياسية، واشارك في جمعيات حقوقية. قلت له: ما سلبية العيش هنا؟ قال السلبيات كثيرة كأي مجتمع إنساني، لكن الحرية هنا شيء مقدس ولا تعني الانعتاق من شيء كما كنا نعتقد في اوطاننا، لا تعني الانعتاق من العبودية أو التخلص من الاستعمار، أو من النظام الأبوي الصارم. لأن الاعتقاد بذلك يقوم على أن التخلص من شيء يعنى السقوط في شيء آخر، كالتخلص من الاستعمار أورثنا العسكر والقبيلة، والتخلص من النظام الأبوي سيورثنا الوقوع في النظام الأمومي أو العائلي. الحرية هنا تعني شيئا مطلقا، هي الإنسان في ذاته بكل ما يحمله من صفات جينية واجتماعية.
قلت له: لكنهم يأتون إلى بلادنا مهرولين، أجاب: يأتون بمفهوم الثقافة المتعالية التي حققت ذاتها الإنسانية وتبحث عن مصالحها الدنيوية بناء على ذلك، فالغربي يأتيك، وقد سبق له اختراقك ثقافيا حتى ولو كنت اكثر منه علما وتحصيلا.
قلت له: ماذا عن الإسلام؟ قال لي: لا تخف الإسلام ينتشر هنا بالرغم من التشويه الكبير الذي يلحق به جراء ما نقوم به كمسلمين نحمل اسمه. واسترسل قائلا: أنا أحد الذين يدعون إلى القراءة عن الإسلام، وأدفع جزءا من راتبي لترجمة بعض الكتب عنه مع عدد من أصدقائي المقيمين هنا. واستمر قائلا: ليت إخواننا في وطننا العربي يدركون حساسية وضعنا في هذه البلاد ويرفقون بالإسلام الذي هو هويتنا، لا تعلم ما تسبب لنا اختلافاتهم وصراعهم حوله وحول مراميه.
قلت له: ماذا عن الربيع العربي؟ قال لي: تصدق يا سيدي الفاضل أنني منذ أكثر من عقدين كنت متوقعا لحدوثه، وذكر لي سبب ذلك قائلا: كنت في إحدى دور النشر العربية هنا، ولاحظت اندفاعا كبيرا من جانب المصطافين والسياح العرب لشراء كتاب كان نازلا للتو.. في دور النشر اسمه «سيكولوجية الإنسان المقهور» الجميع يسأل عنه ويخبر الغير ويتوافد الجميع لطلبه، من بينهم شخصيات كبيرة بل ووزراء ومقربون، أدركت ان الجميع يعيش ويتمتع لكنه يدرك تمام الإدراك ان كل هذا شيء مؤقت وانه قائم على جرف هار لا يلبث ان يسقط في الآتون أو القعر وأن سيكولوجية القهر متجذرة وأن ما يعلوها من طبقات هي اشبه بطبقات الشحم الذي لا يلبث أن يذوب. قلت له: ألا تنوي أن تعود؟ قال: سأعود حتما إلى وطني يوما ما، دعني الآن أحلُم.

بقلم : عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر