كتاب وأراء

المرأة ومطبخها

رغم العدد الهائل من برامج الطهي التي تبثها فضائيات عربية، ورغم الفضائيات التي تخصصت في تعليم فنون الطهي، يأسف شباب اليوم من زوجاتهم التي لا تزيد معرفتهن بالطهي عن سلق البيض، وتجهيز كاسات الشاي، أو انهن نسخة اخرى من «لبنى عبد العزيز» التي طهت «الدجاج النجرسكو» بأقلام الرصاص والحبر الجاف في فيلم «آه من حواء» الكوميدي بالأبيض والأسود.
تستغرب من بعض فتيات هذا الزمن عزوفهن عن المطبخ، وهروبهن من تعلم فنون الطهي، حيث تنظر اليها بعضهن بأنها من بقايا عصر «سي السيد» التي يجب محوها بممحاة، على العكس تماما من أمهات أيام زمان اللواتي كن يعشقن الطهي وفنونه وطرقه.
وفي واقع الأمر انه كان لدول الغرب السبق في مأسسة وظائف المرأة التقليدية، فلم تعد كثيرات من الزوجات الاوروبيات أو الأميركيات مثلا يدخلن مطبخهن بالمنزل أو مملكتهن القديمة الا نادرا، لأن معظم الوجبات التي تتناولها الأسرة تشترى من المطاعم، وتم ترسيخ نظام الدليفري الذي استعرناه، وصارت مجتمعاتنا تقلد في هذا الصدد المجتمعات الغربية باعتبارها المجتمع السوبر الذي يتشبه به، وينقل عنه.
الا ان هذه المعطيات التي تسيدت العقد أو العقدين الماضيين نشأت في كنف «بحبوحة» اقتصادية، وهو عكس ما حدث مؤخرا، حيث دفع ارتفاع الأسعار الأميركيين للعزوف عن ارتياد المطاعم، مما أعاد المرأة الزوجة إلى مطبخها الذي كانت قد هجرته طويلا، فتراجع إقبال الأميركيين على تناول وجباتهم في المطاعم عما كان عليه من قبل، ويأتي ذلك لأسباب يتعلق أغلبها بالتكلفة، وبعدما تبينت أسر انخفاض كلفة «الوجبات المنزلية» عن «وجبات المطاعم» التي إن أجادت الزوجة طهيها يمكن ان تكون أفيد وألذ مما يشترى بسعر أعلى.
ولهذا يتحدثون الآن في اميركا ان المطاعم باتت تواجه مشكلة متنامية في ظل نزوع الرواد إلى عدم الإسراف، وتفضيل الوجبات المنزلية على وجبات المطاعم من باب الاقتصاد في الإنفاق.
ومن كوريا الجنوبية انطلقت دعوة للمواطنين الكوريين الجنوبيين ألا يقعوا فريسة لغزو كوري شمالي من خلال ترويج المطاعم الشمالية التي تستقطبهم وتجتذبهم بخبث، وهو ما أدى إلى نشوب صراع صامت بين الكوريتين على بطون الجنوبيين، لأن الشماليين أرادوا السيطرة على هذه البطون، والاستثمار فيما يملأها ويلذ ويطيب لها، بغية الالتفاف على العقوبات الأميركية والغربية المفروضة على بيونج يانج التي عاندت بإطلاقها صواريخ تروع الجيران.
ولا ينسى الروس أبدا ان الهمبرجر والكولا الأميركيين كانا مسمارين في نعش امبراطوريتهما الحمراء.
يدعو ما أسلفناه، وما يمكن أن يستجد في ذات السياق، إلى القول إن الاعتناء بالمطبخ الوطني، وإعادة المرأة إلى مملكتها، قضية أمن اقتصادي، إن لم تكن قضية أمن وطني، يغلق الابواب أمام محاولات الاختراق غير المرئية للسيطرة على البطون، وتغيير العادات الغذائية، والاطاحة تماما بدور رئيسي للمرأة تحت دعاوى باطلة تستخف بمملكتها التاريخية والأهم، وهو مطبخها الذي لابد ان يعود اليه عبقه وحيويته وأكلاته اللذيذة.
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي