كتاب وأراء

رائحة الماضي

كانت المقاهي قديما حاضنة للمفكرين والمبدعين والمثقفين، مكانا يلتقون فيه على مختف أهوائهم ومشاربهم ليتناقشوا في قضية أو كتاب أو فكرة، مكانا لتبادل الآراء بأريحية ومرح دون تعصب أو غضب، وفي جو من الصداقة والالفة، أما الآن فقد اختلف الوضع، وباتت تلك الأماكن التي أفرزت معظم الأسماء المشهورة التي نعرفها «فولتير - نجيب محفوظ- احسان عبد القدوس- سارتر-جمال الدين الافغاني-وغيرهم» مجالس للكسالى والمدعين الذين لا شغل لهم سوى شرب القهوة والثرثرة والخوض في أعراض الناس والنميمة والحسد و...الفراغ.. لم يعد المقهى بيتا للمثقف الذي لا بيت له، ولم يعد يؤدي الوظيفة الاجتماعية التي كان يؤديها سابقا، وهذا ما دفع الفيسلوف الفرنسي صاحب نظرية فصل السلطات «مونتيسكو» للتحسر بقوله: «الناس في باريس «في كل مكان تقريبا» يشربون القهوة بكثرة، ويلتقون لتبادل الحكايات أو لعب الشطرنج، ولا يوجد واحد يترك المقهى دون ان يشعر انه أكثر ذكاء وفطنة أربع مرات عما كان عليه حين دخله، ولكن أشد ما يصدمني في هولاء المترددين الموهوبين أو المثقفين على المقاهي، هو عدم فائدتهم تماما بالنسبة لوطنهم، وهم يبددون موهبتهم في الهواء، دخلت مقهى ذات يوم فوجدت حفنة منهم يتجادلون حول أتفه ما يمكن تصوره.. كان جدلهم حول شاعر اغريقي، لم يعرف أحد قط أين ولد؟ ولا متى مات منذ ألفي سنة؟ كان الجميع متفقين على أنه شاعر ممتاز. أما خلافهم فكان على درجة امتيازه، كل واحد منهم يصر على وضعه في مستوى معين، واشتد النقاش وتحول إلى شجار، ثم إلى تبادل الاتهامات وشتى انواع الاهانات بحماسة جعلتني أتلذذ بالمشاجرة نفسها أكثر من الموضوع الذي كان سببا للشجار..». وتعجب ذات مرة الكاتب الكولومبي «غابريل غارسيا ماركيز» من كثرة المهرجانات المعدة للمثقفين، وعلق قائلا:- لطالما تساءلت عن جدوى لقاء المثقفين، ففضلا عن القلة القليلة من اللقاءات التي يمكن ان نقول عنها «مثمرة» فإن معظم هذه اللقاءات والندوات والاحتفاليات لا تعدو كونها مجرد تسليات صالون، ومع ذلك نفاجأ بكثرة ما يعقد منها، وفي كل مرة بأعداد أكبر، وحضور أكثر، وبتكاليف تزيد من حدة الأزمة العالمية!! لقد تلقى أحد الحائزين على جائزة نوبل خلال عام قرابة ألفي دعوة إلى مؤتمرات كُتاب، ومهرجانات فنون،ومناظرات وندوات من كل نوع..أكثر من ثلاث دعوات يوميا إلى أمكنة موزعة على امتداد العالم بأسره، فهناك مؤتمرات تأسيسية بتزايد دائم وبنفقات خيالية تجري اجتماعاتها كل عام في واحد وثلاثين مكانا مختلفا، بعضها أماكن مرغوبة مثل روما وادليد في استراليا، وبعضها في أماكن تبدو كتحديات الكلمات المتقاطعة «لم تسمع بها من قبل» إنها كثيرة في نهاية المطاف، وليس من المستغرب بعد كل هذا أن نجد مثقفا مجاملا «لبى كل الدعوات» يولد في مؤتمر ويواصل الترعرع والنضوج في مؤتمرات متتالية، دون أي توقف سوى ما يتطلبه الانتقال من مؤتمر إلى آخر، حتى يموت في شيخوخة وادعة في مؤتمره الأخير.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري