كتاب وأراء

وياخبل الذي خافيه مكشوف

البداية:
«يابني لاتقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا»
متن:
تغيرنا..
لاشيء يبقى على حاله
وليس بالضرورة أن يكون التغيير للأفضل دائمًا..
حتى مع ثورة الاتصالات وعالم التواصل.. الذي جعل العالم كله بـ «هاتف»
اختصر مسافات الجغرافيا بضغطة زر..
لكنه زاد المسافة بين القلوب حتى وإن تقاربت الأجساد.. وكل شيءٍ بثمن.. فماذا حدث؟
قهوة الرابعة عصرًا
في المقهى المفضل لدي والذي غالبًا أهرب إليه من زحام الحياة.. جلسوا بقربي
وما إن انتهوا من طلب مايريدون حتى امسك كل منهم بهاتفه وانفصل عن البقية
السكوت يلف المكان وهدوء لقائهم يشبه طاولتهم وكراسيهم.. لانفس!
مضت ساعة ونصف.. انتهوا من قهوتهم بعد أن التقطوا لها أشكالًا متعددة من الصور ثم غادروا؟
الأمر لايحتاج لتجسس فهم أمامي وكأني جليسهم الرابع؟
لم يتحدثوا مع بعضهم بكلمة؟
الكل انشغل بهاتفه متنقلًا بين برامج التواصل قاطعًا كل سبل الاتصال مع من يجالسه
لانقاش ولا كلام ولاحتى قليل من حماقات المراهقة الساخرة التي تشعرنا أننا بشر فالناس أموات مالم يتمازحوا..
غادروا المكان لتفيض قائمة الأسئلة في رأسي الذي لايهدأ
وتساءلت:
لماذا أتوا جمعًا إذا كانت قلوبهم فرادى؟
ثم لماذا أخذت علاقاتنا هذا الشكل الميت الخالي من الحياة؟
في كل مكان أرى مثيلات هذه الحالة.. حتى حزنت على وضعنا فماعادت لقاءاتنا مبهجة
نلتقي حتى ينشغل كل منا بهاتفه..
يسافر بين برامج التواصل متناسيًا الجميع
أحاديثنا قليلة ونقاشاتنا مملة ولقاءاتنا باهتة؟
حتى أصدقائي فقدوا الكثير من بريقهم..
صحيح يجب علينا مسايرة حقيقة وجود العالم الإفتراضي
لكن هذا لايكون على حساب عالمنا الواقعي!
نتحدث مع أشخاص غرباء ونشاركهم لحظاتنا مقابل تهميش أشخاص حقيقيين يُفترض أنهم «أصدقاء»!
وهذا كله بثمن..
وأنا منهم ولست ببعيد..
كنت أشارك الآخرين بكل شيء أحصل عليه أو أنجزه
حتى الأعمال التي سأقوم بها شاركتهم تفاصيلها
ثم انتبهت أن أشياء كثيرة لاتكتمل؟
والمشكلة أن الأسباب تافهة وقد تكون معدومة لكن النتيجة واحدة.. حاول مرة أخرى؟
فعدت لأُحيط حياتي ببعض الغموض فليس كل شيء يُقال ولا كل مانملك يُنقل
ولأنه من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقضي حوائجنا بالكتمان.. كان ذلك
علمتني تجارب الحياة أن كل ذي نعمةٍ محسود
نحن نتكلف ونبذل مجهود إضافي ليرى الناس روعة
حياتنا وينبهروا بها.. وكل شيءٍ بثمن
بدايتها «ولاتقصص رؤياك» وتعليلها «فيكيدوا لك كيدا» ونهايتها «رموه بالجب»..
فما نحن فاعلون؟
في فيلم سينمائي ثبتت مقولة بطلها في مخيلتي حيث قال لصديقه متهكمًا:
«نحن نعمل بوظائف لانرغبها لنشتري أشياء لانريدها لنبهر أشخاص لانحبهم»
وهذا حالنا اليوم..
نشتري أشياء غير مهمة.. لنوثقها ونشارك الآخرين بها
ونخرج لأماكن.. روعتها تكمن بنقلها للناس وليس لقيمتها لدينا..
فبرامج التواصل باتت وسيلة لنرسل رسائل غير مباشرة للأشخاص والمجتمع..
نُشبع جوعنا ونعوض شعورنا بما ينقصنا.. وهذا كله بثمن
باتت بيوتنا مكشوفة.. بعد أن كانت البيوت أسرار
وحياتنا فاقدة للخصوصية.. رغم أن القمر لم يكن ليُضيء لولا جانبه المظلم
نحتاج إعادة تثقيف لمفاهيم استخدام الأشياء..
فالفوضى التي نعيشها أفقدتنا ذاتنا والشعور بالآخرين
فاصلة،
تعلم أن يكون لك جانبك الغامض الذي لايصله الضوء..احتفظ بقليلك بعيدًا عن عيون الناس فليس كل مايُملك يُكشف.
سافر ووثق لنا.. رحلاتك.. وهواياتك.. وشاركنا بها لكن ليس كل شيء يستحق التوثيق ولاكل شيء يُنقل
وتعلم أن لاتُعظّم عالمك الإفتراضي على حساب عالمك الواقعي فتفقد استمتاعك باللحظة والحدث فلكل شيءٍ وقته
خسارة..
أشياء كثيرة أفتقدها في حياتي أتمنى أن تعود..
بساطة الماضي.. أحاديث المساء.. وأصدقائي
وليتها كانت بثمن..
إضاءة:
«ليس كل مايعرف يقال ولا كل مايُملك يُكشف»
آخر السطر:
تقول العرب يافهيد.. ياخبل الذي خافيه مكشوف

بقلم : دويع العجمي

دويع العجمي