كتاب وأراء

استريحي أيتها الديمقراطية الوقت ليس وقتك

لم يعد يحق للولايات المتحدة أن تحاضرنا عن الديمقراطية قبل أن تسترد هي أولاً ديمقراطيتها. فمع إدارة مثل إدارة ترامب لم يعد للخطاب الوعظي الأميركي عن الحريات معنى. كما لم يعد للتبشير الديمقراطي الأوروبي قيمة بينما الدول الأوروبية تطرد المهاجرين وتصوت لليمين وتستدعي أفكاراً متزمتة كان الظن أنها ماتت من سنين.
لقد انتهت الموجة الثالثة للديمقراطية التي خصص لها صاحب نظرية صدام الحضارات «صامويل هنتجتون» كتاباً قيماً صدر في 1991 بعنوان «الموجة الثالثة: التحول الديمقراطي في القرن العشرين». تلك الموجة التي بدأت بثورة القرنفل في البرتغال في 1974 ثم بتخلص إسبانيا من الديكتاتورية في 1975 ليليها انتشار الديمقراطية في ثمانينيات القرن الماضي في تايوان وكوريا الجنوبية والفليبين لتنتقل بعد ذلك في التسعينيات إلى شرق ووسط أوروبا. وكان الظن أن الربيع العربي سيضيف إلى تلك الموجة زخماً كبيراً. لكن أحوال العالم العربي وأحوال العالم عامةً لا تبشر بأن موجة الديمقراطية الثالثة تعلو وإنما تنكسر.
فمنذ عام 2006 ومجلة الإيكونوميست العريقة تقيس حالة الديمقراطية في العالم.
ويشير تقريرها عن عام 2016 إلى أن 2.6 بليون إنسان يعيشون تحت رحمة حكم سلطوي صريح. ويلفت أيضاً إلى أن 5 % فقط من سكان العالم يتمتعون بالعيش في ظل ديمقراطيات كاملة. بينما يعيش نصف سكان المعمورة في دول شبه ديمقراطية تتبنى بعض خصائص وشروط الديمقراطية. حتى الدول العريقة في الحرية، مثل الولايات المتحدة، تحولت العام الماضي من «ديمقراطية كاملة» إلى «ديمقراطية مختلة أو معيبة»FLAWED DEMOCRACY. وهو ما ازداد مع وصول ترامب إلى السلطة بسبب ما يجري من انتهاك للحريات المدنية واستخفاف بالضمانات القانونية وانتقاص لدور الإعلام. وبشكل إجمالي، فقد سجل العام الماضي احترام الممارسة الديمقراطية في 38 دولة وتراجعه في 73.
وإذا كانت الديمقراطية تعاني في بلاد المنشأ الغربية فما بالنا بحالها في بلادنا العربية؟ لقد كان صوتها يرتفع قبل خمس سنوات. لكن ذلك لم يكن تعبيراً عن فرحها بالانتصار وإنما استغاثة من خطر قادم. فقد عرفت القوى الخمس السكونية الكارهة للديمقراطية كيف توقفها. التفت عليها القوى القبلية والأمنية والدينية والمالية والبيروقراطية لتنتج خطاباً بارعاً في اللف والدوران. خطاب تبنى الديمقراطية بل ووعد بها قبل الربيع العربي ليتفادى نقد الخارج بعد أحداث سبتمبر 2001. وقتها لم يكن أي فضاء عربي يخلو من عبارتي التحول الديمقراطي والانتقال الديمقراطي. واستمر بالفعل التحول والانتقال، لكن بعيداً عن الديمقراطية وليس نحوها. ولما وقع الغضب الربيعي العربي في 2011 وانتعشت الآمال في أن العرب لحقوا بالموجة الثالثة للديمقراطية كان الخماسي السكوني المتين يتحالف حيناً ويتنافس حيناً آخر لا على شيء إلا على نسف أية بنية تحتية ترسخ للديمقراطية.
ومثلما فشل العرب ديمقراطياً فشل العالم في أن يعوض المظلومين والمحبطين عن ما عجزوا عن الوصول إليه في أوطانهم.
بدأت الأوطان التي طالما بشرت بالحرية وقدمت نفسها حضناً للمعذبين في الأرض سلسلة ممارسات أقل ما توصف به أنها تعادي الديمقراطية فكرةً وسلوكاً. فمع موجات اللاجئين وبسبب الأزمات الاقتصادية والمخاوف الأمنية تحولت دولاً ديمقراطية عديدة من سياسات الاستيعاب إلى سياسات الاستبعاد. ولم يكن الاستبعاد في حالات عديدة يتم بلياقة وإنما بأسلوب ينم عن سوء فهم لروح الديمقراطية كطرد المهاجرين وتعلية الأسوار والسخرية من عقائد الآخرين بل والقتل على الهوية. وكان الأمر سيهون لو أن تلك الممارسات توقفت عند غرباء ظنوا أن البلدان الديمقراطية ستفتح لهم أبوابها بعد أن طردوا من أوطانهم الغارقة في الاستبداد. لكن التراجع الديمقراطي مس أيضاً مواطنين ولدوا في تلك الجنان.
صحيح أن الديمقراطية فكرة والأفكار لا تموت. وصحيح أنها حلم والأحلام لا تتوقف. لكن كل فكرة مهما كانت قوية إلا وتتعرض لعراقيل، وكل حلم مهما كانت شرعيته إلا ويتعرض أحياناً للانتكاس. والوقت الراهن ليس وقتك أيتها الديمقراطية. فالعصر هو عصر المخاوف الكبرى على الذات ومن الآخرين. هو زمن الشك الزائد من الجميع في الجميع. والديمقراطية لا تتأسس على الخوف وإنما على الطمأنينة، ولا تتقدم بالشك وإنما بتبادل الثقة. ولهذا وفي ظل تراجع الطمأنينة ونقص الثقة لن يكون العصر عصراً للديمقراطية وإنما تنكيلاً وربما عصراً للديمقراطية. ولا غرابة في أن يأتي تقرير العام القادم لمجلة الإيكونوميست عن حالة الديمقراطية في العالم ليؤكد من جديد تراجعها طالما أن المعطيات الأولى للسنة الحالية تشير إلى تآكل الاستعداد للعيش الديمقراطي حتى في البلدان الديمقراطية ذاتها.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات