كتاب وأراء

بشكل أو بآخر

كلنا نكذب، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها،، لا يوجد إنسان لا يكذب.. الكذب جزء من حياتنا.. بدءا من المساومات التي تحدث عند الشراء والبيع في الاسواق إلى مداراة السفهاء والمجاملات اليومية وصولا إلى العلاقات الحميمة.. وهناك من يكذب بدافع المجاملة وهناك من يكذب لانه معتاد على الكذب، وهناك من يضطر للكذب لصالح عام أو خاص وهناك من يكذب من باب الاحتياط.. ويتصور انه يؤمن نفسه بإخفاء الحقيقة ولو مؤقتا.. ومما يروى عن توماس اديسون المخترع العظيم أنه كان يجلس ذات مرة في احدى حدائق فيينا، وعندما رآه صحفي شاب تقدم نحوه وحاول ان يحصل على حديث صحفي من الرجل الذي قدم ألف اختراع للبشرية، ولكن اديسون رفض ان يتكلم، وقام من جلسته ليكمل رحلته في الحديقة دون ان ينبس ببنت شفة، وعاد الصحفي بدوره إلى الجريدة التي يعمل بها، وجلس يكتب حديثا طويلا زعم انه قام باجرائه مع المخترع الكبير، ونشرت الصحيفة الخبر في صفحتها الأولى تحت عنوان «أعظم مخترع في العالم» وعندما قرأ اديسون اللقاء المنشور سارع بارسال برقية إلى الصحفي قال فيها: «لقد أصبح واضحا الآن ان اعظم مخترع ليس أنا...وانما أنت»، أو كما قال ونستون تشرشل: في الوقت الذي ترتدي فيه الحقيقة حذاءها تلف مائة كذبه حافية حول العالم... يروي الشاعر العراقي «معروف الرصافي» واقعة حدثت معه حين كان معلما للغة العربية في إحدى مدارس القدس عام 1920 فيقول: في ليلة الجمعة من كل أسبوع كان التلاميذ يجتمعون مع المدير وسائر اعضاء هيئة التدريس في بهو المدرسة يخطبون وينشدون الاشعار، وفي ليلة من تلك الليالي بعدما انتظم الجميع بالجلوس وكانوا زهاء ستين طالبا، اقترح المدير على مدرس الجغرافيا الذي يجلس بقربه أن يهمس كلاما في أذن التلميذ الجالس بقربه على أن يهمسه ذلك التلميذ للذي يليه وهكذا حتى ينتهي للآخر، قام الاستاذ بهذا وجعل كل تلميذ بعد سماعه ما قيل له همسا يصبه في أذن زميله حتى بلغ آخرهم في الجهة التي كنت أنا والمدير جالسين فيها. وكان الصمت في أثناء ذلك مخيما على الحاضرين بانتظار النتيجة، وكانت الجملة التي وصلت الينا في نهاية المطاف هي «غدا ليس لدينا حصة جغرافيا»، ولما سمع ذلك مدرس الجغرافيا ضحك وعلق قائلا: «لم أقل هذا وانما قلت غدا لدينا درس في الجغرافيا كذا وكذا»، وتعجبنا كيف تحولت جملة ايجابية لجملة سلبية بسبب انتقالها من فم إلى أذن لتسعة وستين مرة. وعندئذ التُفت جهة المدير الذي تلقى علومه في أميركا وسألته عن سبب هذا الاقتراح العجيب الذي كانت نتيجته أعجب منه، فقال:هذه الطريقة تطبق هناك «أميركا» لاختبار وعي الطلبة وحسن فهمهم، وتحريهم للصدق والأمانة في نقل الرواية والحديث. وعلى هذا ليس الصدق هو ما وافق الواقع، ولا الكذب هو ما خالفه، بل الصدق هو ما وافق المصلحة وان خالف الواقع، والكذب هو ما خالفها وان وافق الواقع، وليس ثمة ما هو أكثر غرابة من قدرة الجميع على التأليف واضافة تفاصيل لا تخطر في بال اكثر الروائيين خيالا، وفي العصر الحالي يسهل ان تلبس أيه اكذوبة ثوب الحقيقة عن طريق التركيز عليها مرارا وتكرارا في وسائل الاعلام المرئية خاصة مع تزايد نسبة الأمية ليس في الوطن العربي فقط وانما في كل دول العالم المتقدمة والمتخلفه على حد سواء. هذا التركيز لفكرة ما لموقف ما أشبه بغسيل دماغ جماعي يتم على مراحل تطول وتقصر حسب القضية أو الموقف المطلوب تمريره... وقطعا لا أعني أمية القراءة والكتابة وإنما أمية القبول وتبني كل ما يعرض ويقال دون تمحيص.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري