كتاب وأراء

«البندورة» أطعم من الطماطم

عصية الفهم هي نعراتنا العروبية الغيورة على لغتنا الفصحى بالهجوم على أبناء العرب الذين يهجرون لغتهم ويستغربون بتداول لغات أجنبية.
وبألسنة حداد ثقال يسخرون ممن يتداولون المصطلحات الانجليزية وينعتونهم بالتفرنج وتارة بالتكبر وأحيانا بارتداء ثوب لا يليق بهم ويدعونهم للعودة لأصولهم ليعضوا بألسنتهم على الضاد وقد يستندون ويتيهون فخراً بسند مقدس كونهم ليسوا فقط من الناطقين بالعربية لكن أيضا من حماتها.
والحق أحق أقول لكم إننا من الصعب أن ندعي أننا نتحدث العربية الصرفة. فالمتداول الآن هو عامية شديدة الغربة عن العربية الحقة.
وأحسب أننا لو تخاطبنا مع أحد من التابعين أو تابعي التابعين أو حتى أي عربي من الدولة الفاطمية لن يفهم لغتنا العربية اليوم بل سيحتاج لمترجم محترف. وحتى لو تحرى محدث عدم التلفظ بمصطلح انجليزي، فستكون هناك صعوبة في التواصل.
وأتعجب ممن لا يعترض على من ينادي أقاربه بـ«أبلة» و«أبيه» بل يراه إنساناً أصيلاً متمسكاً بعاداته وتقاليده وغير متفرنج، بينما يستهجن من ينادي بـ«انكل» أو «تانت»!
«أبلة» و«أبيه» و«نانا» ليست ألفاظاً عربية بل تركية وتعني أختي وأخي وماما.
«ماما»، «بابا»، «تيتا» ولم تدخل يوماً في محيط القاموس العربي ومنذ الأزل ينادي العربي والديه بـ«أماه» و«أبي» أو «أبتي».
لكن سبحان من أجاز تداول «ماما» و«بابا» فأرضى عنهم عرفاً. وآهٍ لو تحريت إرضاء مجتمعك فحسبك بأن تنادي حينئذ «بأبويا» ويتداولها الصفوة حاليا أو «أبا» ويتداولها الفلاحون لكن لكليهما شعبية رغم أني احسب انه لو سمعها عربي من قرون منصرمة لجهلهما.
ويعرف مستخدمو «أبا» بأنهم أبناء بلد، لم يلبسوا ثوبا غير أثوابهم، في حين من ينادون «بمام»، «داد» أو «مامي» فهم من المغضوب عليهم بل لعلهم من الضالين!
كلمات «كسينما، كاربراتير، ديرسكسيون، فتيس، بارفان، تلغراف، كمبيوتر، كيبورد، بوفيه، تاكسي، ليست من العربية في شيء لكن مرضي عمن ينطق بهم ويعفون من التقريع.
ديكتاتور، كوافير، ديكور، تليفون، سينما، رادار، ماساج، راديو، ريجيم، صالون، فيشا، كلمات فرنسية.. وسنترال، سندوتش، شاليه، كلمات لاتينية.
حتى الطماطم، أصلها TOMATOES، أما بالعربية فهي بندورة. لكن معظم سكان مصر بفلاحيها يعرفونها بالطماطم اللهم إلا أهالي القليوبية الذين «يبندرونها».
فارانده، فاتورة، موبيليا، ماكينة كلمات من أصل إيطالي.
شطرنج، خندق، بستان، فستان، فرمان، بلكونة، مهرجان، دفتر، تخت، فهرس، طاسة، بيجاما، زمرد، بخت، خنجر، ماسورة، خان، خانة، حتى «بس» أي حسبك، وسواها بالعشرات كلمات ذات أصول فارسية وعربت وننطق بها جهلاً، لكنها مقبولة ومرحب بها من حماة ونحاة العربية التي يرتضونها ويلقحون نسبها للعربية بل ويستسيغونها كمواريث الأوقاف هنيئاً مريئاً.
بشكير، طاباشير، بك، باشا، أفندي، درابزين، طرمبة، صنفرة، اوضة، طابور، دوغري، بقسماط جمرك، بوية، بصمة، صامولة، طز أي ملح، كبري، جميعها كلمات ذات أصول تركية، ونتداولها يوميا دون أي حرج أو غضاضة على انهم يصبون جام غضبهم أو يصبونه دون جام إذا رطن أحد بمفردة لاتينية هم يجهلونها. فأنت بن ناس، بن حلال، اليف، متواضع، مهذب متى ما تحدثت بأي أجنبية شريطة ألا تنطق بلفظ يجهله محدثك كونه يترجمها كطعنة في السويداء.
أما لو حاورته بأجنبية يفهمها فلا غبار ولا أتربة عليكما كما وصفحتك نزيهة، نظيفة وتعساً للنحاة! كما لن ينعت مستخدمها بانعدام الهوية ولن تضرب وطنيته في مقتل ولن يسمع مزايدات على لغة أمه ودينه.
ثم هل سيقبل محدثك أن تطلب منه أن يأخذ خلفه على الدباب أي الموتوسيكل؟
وهل متوقع من طيار أن يخبرك بأنه عائد لتوه من رحلة «بالحوامة» يقصد الهليكوبتر؟ وهل سيتركونه أم سيجعلونه أيضا مادة للسخرية!
وسنبقى نستخدم كشكول رغم أصلها الآرامي! وسيلعب أبناؤنا بالبالون إيطالي!
بقلم: داليا الحديدي

داليا الحديدي