كتاب وأراء

نتانياهو وترامب .. الهروب إلى الأمام بخلط الأوراق


في ظل التحولات الكبرى التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط داخليا وإقليميا، لم تعد الولايات المتحدة بكل قواها الحية قادرة على قراءة حاضر المنطقة جيدا، ولا على استشراف مستقبلها، والشيء نفسه ينطبق على إسرائيل. ومع هكذا عجز لم يعد أمام كل منهما سوى خلط الأوراق في محاولة للوقوف على ما يجب القيام به من جانب كل منهما للسيطرة على أحداث الحاضر شديدة التغير والتقلب والهيمنة، وعلى صياغة مستقبل المنطقة الذي أضحى عسيرا على التنبؤ بملامحه.
لدينا مناسبتان توقف الرأي العام العربي والإقليمي عندهما كثيرا ألقيتا الضوء على حالة التخبط والارتباك التي يعيشها صانع ومتخذ القرار في الوقت الراهن وإن كانتا تمثلان ذروة صدمة الحسابات الخاطئة التي تعيشها كل من إسرائيل والولايات المتحدة على مدى السنوات الست الماضية. الأولى تتعلق بلقاء العقبة السري. والثانية تتعلق بلقاء ترامب ونتانياهو في واشنطن.
المناسبتان استقبلهما الرأي العام العربي باستياء شديد لا يمكن إنكاره، لأنهما وقعا في فخ السرية من ناحية، وتطرقا إلى مقترحات تتعلق بحل القضية الفلسطينية على أرضية السياسة الإسرائيلية من ناحية أخرى، وفتحا الباب مجددا، من ناحية ثالثة، لانفتاح إسرائيل على العالم العربي سواء في شكل الدعوة إلى إقامة تحالف مهما تكن تسميته بغرض حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي أو لأغراض أخرى تتعلق بالمستجدات الأمنية في المنطقة، وذلك قبل أن تستوفي إسرائيل ما ورد بشأن الاستحقاقات المنوط بها تنفيذها وفق ما جاء في مبادرة السلام العربية 2002. وليس جديدا التأكيد على أن الرأي العام العربي يحمل دائما ذكريات سيئة مع كل تحرك يتسم بالسرية لحل القضية الفلسطينية، وهي ذكريات أليمة ممتدة منذ ما قبل قيام الدولة الإسرائيلية وإلى الآن. وقد كان الرأي العام العربي محقا في انتفاضته لرفض كل ما جاءت به المناسبتان. ولكن ما غفل عنه هو تقييمه الحقيقي للتحرك الإسرائيلي الأميركي من حيث الهدف وإمكانية التحقق.
ما ورد بخصوص القضية الفلسطينية في المناسبتين يتعلق بخطة كيري الفاشلة، وبما فاضت به على عجل قريحة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب ومشاركته الرأي بنيامين نتانياهو في اللقاء الذي جمعهما في واشنطن. ولم تخرج خطة كيري التي طرحها في فبراير 2016 خلال لقاء العقبة الرباعي عن الرؤية الأميركية منذ بيل كلينتون حتى أوباما مرورا بجورج بوش الابن، ولكن ورد فيها بعض الجديد مثل تحقيق رؤية قرار التقسيم الذي أصدرته الجمعية العامة رقم 181 والمتعلق بقيام دولتين لشعبين، واحدة يهودية وأخرى عربية وإنهاء الصراع وجميع المطالب الفلسطينية مما يتيح تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية.وبما أن الخطة كانت مطروحة قبل عام مضى وفشلت، أي لم تعد لها قيمة ومن ثم لا حاجة للتذكير بتفاصيلها، فإن إثارتها مجددا وكشف السرية عنها لا يعنى سوى تفضيل خلط الأوراق الذي يعكس حالة عدم اليقين والخوف من المستقبل وعدم القدرة على المواجهة الشجاعة مع الأزمات.
وأما ما ورد في لقاء ترامب ونتانياهو فقد كان دليلا قويا على أن كلا منهما يجهل المستقبل بل يخشاه ومن الأفضل لكل منهما أن يقلبا الطاولة على الجميع لكى لا يلتزما بشيء لا يثقان في نتائجه في ظل حالة السيولة والفوضى التي تضرب المنطقة بأسرها، وهكذا قضيا على حل الدولتين.
وفيما يتعلق بما ورد بخصوص التحالفات والترتيبات الأمنية بين العرب وإسرائيل، فإنها من وجهة نظر نتانياهو تقضى بتوقيع اتفاقيات سلام مع دول خليجية أولا ثم تغليف الفلسطينيين بها لاحقا بمساعدة عدة أطراف عربية وإقليمية، وهي كما هو واضح لا علاقة لها بالقضية الفلسطينية وإنما بالتأهب للمشاركة مع الولايات المتحدة في صياغة مستقبل الشرق الأوسط على ضوء ما تنتهي إليه أزمات العراق وسوريا واليمن. وهكذا فضل كل منهما الهروب إلى الأمام بإعادة خلط الأوراق.

عبدالعاطي محمد