كتاب وأراء

من قبرصة لبنان .. إلى لبننة قبرص

في عام 1960 حصلت جزيرة قبرص على استقلالها من بريطانيا. نصت معاهدة الاستقلال على انه يحق لكل من بريطانيا أو اليونان، أو تركيا، التدخل العسكري اذا تعرض النظام الدستوري للخطر. في عام 1974، واثر سلسلة من الاصطدامات العنصرية – الدينية بين القبارصة الأتراك (المسلمين)، والقبارصة اليونانيين (المسيحيين)، وبعد محاولة انقلاب فاشلة استهدفت ضمّ الجزيرة إلى اليونان، تدخلت تركيا عسكرياً. ولا تزال قواتها موجودة حتى الآن. صحيح ان التدخل العسكري التركي عطّل عملية ضمّ الجزيرة إلى اليونان.
ولكنه أدى إلى تقسيمها إلى شطرين ؛ ثلث للقبارصة الأتراك، وثلثان للقبارصة اليونانيين.
جرت عدة محاولات لحلّ الخلاف ولإعادة توحيد الجزيرة. الا انها باءت كلها بالفشل. وكانت آخر محاولة تلك التي قام بها الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي أنان في عام 2004. فقد وافقت عليها تركيا والقبارصة الأتراك. الا ان اليونان والقبارصة اليونانيين رفضوها. مرّ 43 عاماً على تقسيم الجزيرة، انتشرت خلالها قوات من الامم المتحدة –القبعات الزرقاء- على طول حدود التقسيم. وهي لا تزال متمركزة فيها حتى اليوم.
تطرح الأمم المتحدة الآن مشروعاً جديداً للتسوية. ينص المشروع على اعلان قبرص دولة اتحادية من قسمين. كما ينص على تبادل الرئاسة دورياً بين القبارصة اليونانيين، والقبارصة الأتراك. واذا سارت الأمور على ما يرام، فان دستوراً جديداً سوف يُعتمد للدولة الاتحادية، يحلّ محل الدستورين المعتمدين في كل شطر منها، على أن يعرض مشروع الدستور الموحد على الاستفتاء في كل من شطري الجزيرة.
هناك آمال عريضة بأن يتم الاتفاق هذه المرة على التسوية. ومصدر هذه الآمال اكتشاف كميات كبيرة من النفط والغاز في السواحل الشرقية والشمالية الشرقية للجزيرة المواجهة لكل من تركيا وسوريا ولبنان. ويحتاج استثمار هذه الثروة إلى تفاهم مع هذه الدول، وخاصة مع تركيا التي تشكل قوة عسكرية وسياسية كبيرة. ويعزز هذه الآمال ايضاً ان الخلاف حول تحديد الحدود بين الشطرين اليوناني والتركي قد تقلص كثيراً، والخلاف يقتصر الآن على واحد بالمائة فقط من مساحة الأرض المتنازع عليها، وذلك بعد أن أقرت قبرص اليونانية بالأمر الواقع ووافقت على التنازل عن مطالبها بضمّ بلدة مورفو التي تقع في الشطر الشمالي – التركي من الجزيرة. كذلك كانت قبرص اليونانية تطالب بحصر رئاسة الدولة بها، الا انها وافقت الآن على تبادل الرئاسة، ولكن ليس على قاعدة المناصفة!!.
ثم ان هناك حسابات اخرى من خارج الجزيرة لا يمكن تجاهلها. فلدى كل من الحكومة اليونانية في أثينا والحكومة التركية في أنقرة، تطلعات وحسابات مختلفة، يزيد من عمق اختلافاتها، عدم توافر الثقة المتبادلة بين العاصمتين. ولكن بعد عودة الرئيسين القبرصيين من سويسرا، تجددت الآمال بالتسوية من جديد رغم ان هذه الآمال تصطدم بقضية سياسية – عسكرية حساسة ودقيقة جداً.
فالتسوية تلغي ما ورد في معاهدة الاستقلال عن بريطانيا من حيث الإقرار بحق اليونان أو تركيا أو بريطانيا، التدخل العسكري في الجزيرة. غير ان تركيا ترفض هذا الإلغاء، وتتمسك بالنص كضمانة لحماية الأقلية التركية.
وهناك عقبة ثقافية – اجتماعية لا يمكن التقليل من تأثيراتها السلبية. وتتمثل هذه العقبة في الذكريات المؤلمة بين سكان شطري الجزيرة عن حوادث القتل المتبادل التي جرت على نطاق واسع.. وما رافقها من تهجير، ومن مصادرة للبيوت والمزارع.. ومن تغيير الكنائس إلى مساجد والمساجد إلى كنائس!!.
بعد مرور عام واحد من تقسيم قبرص اثر التدخل العسكري التركي، انفجرت في لبنان (عام 1975) الحرب الأهلية. يومها ارتفعت شعارات وطنية تحذر من «قبرصة لبنان». غير ان لبنان استعاد وحدته الوطنية في عام 1989 اثر مؤتمر الطائف الذي انبثقت عنه وثيقة الوفاق الوطني والتي أقرتها جامعة الدول العربية والأمم المتحدة، وأيّدها كذلك كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. فهل يتحول الشعار من الخوف من «القبرصة» إلى الاقتداء بـ «اللبننة «؟!..

بقلم : محمد السماك

محمد السماك