كتاب وأراء

كنتم وكنا!

حين اخترع «بيرد» جهاز التليفزيون سخر منه الكثيرون وقالوا: من سيجلس ولو لدقائق أمام هذا الصندوق السخيف؟!، من سيعزف عن صحبة البشر ويكتفي بصحبة الجماد؟ ومرت السنوات وبات هذا الجهاز بالنسبة للملايين من البشر كالماء والهواء لا غنى عنه.. وفي طفولتنا نحن «أبناء وبنات الخالات والعمات» كانت مشاهده التليفزيون ترفا لا نحظى به إلا مرة في الأسبوع وأحيانا كل شهر ولساعات معدودة، وكان ذلك الحرمان نعمة لم أقدرها حق قدرها إلا فيما بعد، وكانت جدتي رحمها الله تعوضنا عن هذا الحرمان برواية القصص كل يوم تقريبا، فبعد أن ننتهي من أداء الفروض المدرسية على عجل، نتحلق حولها بأعصاب مشدودة لتنقلنا إلى عالم افتراضي يختلط فيه الواقع بالخيال وحيث الفضاءات المفتوحة بلا حدود، عالم عرفنا من خلاله أبو زيد الهلالي وعنترة وحمزة البهلوان وأبطال آخرين امتصوا ببساطة كل طاقتنا السلبية وكل أنواع العنف أو التمرد أو الشيطنة التي يُولدها الفراغ، ولم يكن يعيب هذا الطقس اليومي سوى إغفاءتها المتكررة أثناء السرد، وما كان لنا حق الاعتراض أو محاولة إيقاظها بأي شكل، فكنا نجتهد كي لا نصدر أدنى صوت ونتحلى بفضيلة الصبر التي لم تكن من ضمن قاموسنا اليومي على مضض، كما كنا نتجاهل تشابك الأحداث والشخصيات بعد استيقاظها من تلك الإغفاءات، فأبو زيد الهلالي يتزوج عبلة في نهاية الجزء الثاني من القصة وعنترة يموت أثناء المعركة وهكذا.. ولأننا نعرف البدايات والنهايات كنا نتقبل هذا الخلط.. فأي اعتراض أو محاولة للتصحيح كانت تنتهي بحرماننا من تكرار الحكايات في اليوم التالي، كانت جدتي تنمي لدينا ملكة الخيال بحكاياتها، وتشجعنا على القراءة دون أن تدري، وبفضلها بتنا نقضي وقتا في مناقشة الأحداث والقصص بدلا من الشجار والمناكفة، هذا الطقس القديم غاب من ذاكرتي لسنوات طوال ثم عاد وبقوة حين وقع في يدي كتاب «راوية الأفلام» لكاتب تشيلي يحكي قصة فتاة صغيرة فقيرة تعيش مع إخوتها الأربعة ووالدها المشلول في قرية متربة منسية تعتمد على مناجم الملح وبها دار عرض بالكاد يمكن أن يطلق عليها هذا المسمى، وهي التسلية الوحيدة لسكان القرية على الرغم من رداءة آلة البث والصوت وانقطاع العرض بصورة متواصلة واختلاط بكرات الفيلم فيتم بث النهاية قبل البداية وهكذا.. ولأن الكل فقراء وعاجزون عن دفع ثمن تذكرة السينما فقد توصل والد الفتاة إلى حل ظريف حين اكتشف موهبة ابنته في سرد الحكايات أو الأفلام التي تشاهدها، إذ كان يرسل الفتاة لمشاهدة الأفلام في الأماكن البعيدة بصحبة أحد أخويها، ثم يستعيد ما دفعه من أهل القرية الذين يتوافدون مع أطفالهم لسماع حكايات الأفلام التي تجيد الفتاة إلقاءها بتقليد كل الشخصيات والغناء أحيانا ولعدة ساعات، أي ضعف مدة الفيلم الحقيقية مقابل قطع نقدية صغيرة أو قطعة جبن أو أي شيء يصلح للاستعمال أو الأكل أو الشرب كرسم دخول، ومع مرور الوقت أصبح للراوية الصغيرة صندوق خاص بها يحتوي على أشياء زهيدة لكنها ثمينة بالنسبة لها، وباتت تذهب للعجائز في أكواخهم لتؤدي نفس الدور وأيضا مقابل قروش قليلة.. وما أن تحسنت حالة الأسرة نسبيا حتى وصل أول جهاز للتليفزيون للقرية فتحول الكل عنها إليه.. لم يعد لها جمهور ولا مصدر رزق ولا حياة.. وتفرقت العائلة.. وتفرق أهل القرية.. لم يعد هناك ما يجمع بينهم سوى شاشة التليفزيون.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري