كتاب وأراء

لماذا العلوم الإنسانية والاجتماعية؟

تواجه العلوم الإنسانية والاجتماعية مثل علم الاجتماع والتاريخ والسياسة والجغرافيا وعلم النفس والعلاقات الدولية وعلوم الأديان تراجعاً ملفتاً على مستوى التعليم المدرسي والجامعي في بقاع شتى من هذا العالم، تراجعاً يحتاج إلى عمل ومبادرات تنطلق بعيداً عن التقليد وإدراك أن غياب الحرية المسؤولة يلقي ظلالاً سلبية أمام تطوير تلك العلوم. يمكن فهم هذا التراجع في الاتجاه الكبير نحو الماديات والمحسوسات في الحياة والنتائج السريعة التي يمكن مشاهدتها ولمس نتائجها.
ومع انتشار ظاهرة التجاهل وعدم تعظيم تلك العلوم تراجع الإيمان بها وبدورها وحتى بالقائمين عليها والمروجين لها. ولأن التعليم سواء المدرسي أو الجامعي يعدان الفضاء الأرحب لتلك العلوم فإن مناقشة ما آلت إليه الأمور وأسلوب معالجة ذلك أمر ملح.
تشكل العلوم الإنسانية والاجتماعية الحاضنة الأساسية لتنمية وتعميق مفاهيم بالغة الأهمية كالهوية الوطنية والقيم المجتمعية ووحدة المجتمع والتعامل مع الآخر والتي يتوافق عليها أي مجتمع، وبغير تطوير طرق تقديم العلوم الاجتماعية والإنسانية والتقدم بها إلى مسارات التقدم التي لحقت بتفاصيل كثيرة من حياة الإنسان، فإن القيم المجتمعية والهوية الوطنية ستكون عُرضة لازمات حقيقة تعصف بالمجتمعات وما تنتجه من إبداعات في العلوم الطبيعية كلها. في هذا السياق ينبغي التذكير أن الأسس النظرية لفهم السلوك البشري المرتبط بالمدنية الحديثة ما أحدثته العلوم الطبيعية والتطبيقية من آثار على الإنسان وسلوكه وتواصله.
في هذا السياق ينبغي التأكيد على جملة من الأسباب التي تساعد في تفسير معضلة العلوم الاجتماعية الإنسانية والتي تنطبق على مجتمعات عدة والتي تشمل:
أولاً: تُركت العلوم الاجتماعية في ذيل القافلة في عمليات الاصلاح التعليمي والذي استهدف العلوم الطبيعية باعتبار أنها العلوم الوحيدة التي تخدم الإنسان وتؤثر في حياته بشكل مباشر وسريع. تصور لا يخلو من الدقة لكنه مضلل في ذلك الوقت ويعزز بناء الجدران السلبية بين التخصصات والحقول المعرفية.
ثانياً: الإبقاء على التصور السلبي لتلك العلوم بأنها وصفية وان من يتعلمها في الجامعات هم من لا يجدون تخصصات أفضل، وبناء عليه فهي خيار من لا خيار له. مثل هذا الأمر دفع بمجموعات كبيرة من المتخصصين إلى المجتمع أو سوق العمل ليزيدوا الصورة السلبية الموجودة أصلاً، حيث انهم يفتقدون للحماسة لتلك التخصصات والإيمان بها وبدورها.
ثالثاً: الإبقاء على التصور السلبي بأن السبب الأساسي في تزايد البطالة وعدم توفر فرص العمل مرتبط بشكل أكبر بتخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية، مثل هذا الربط غير الدقيق ضاعف من معاناة تلك العلوم وكذلك المنافحين عنها.
رابعاً: الافتقار إلى التخطيط الممنهج في التعامل مع المعارف المتعلقة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية بصورة تدريجية من المدرسة إلى الجامعة. يرافق ذلك ايضاً طريقة تقديم تلك العلوم بطريقة سردية مملة بعيدة عن تنمية المهارات التي يحتاجها الدارسون لتلك العلوم والمجتمع من خلفهم.
أخيراً تقع مسؤولية الاهتمام بالعلوم الإنسانية والاجتماعية على الجامعات الحكومية وأجهزة التعليم الرسمية بالأساس. ذلك أن الاهتمام بتلك العلوم وتوفير مناخ علمي مناسب يخدم مجتمعات تلك الدول ويجنبها أحد أهم تهديدات الأمن الناعمة والمتعلقة بوحدة المجتمع وانسجامه المستند إلى إنسان سوي صحياً وعقلياً ومعرفياً. من هنا فإنه لا يتوقع أن تنفق مؤسسات التعليم الخاص الكثير على تلك العلوم بسبب ارتباط مشاريعها بالربحية قبل المسؤولية الاجتماعية، في حين مؤسسات التعليم الرسمية مستندة للمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية قبل مسألة الربح والخسارة.
بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري