كتاب وأراء

سوريا ارخبيل.. وجسور جنيف ليست لربط جزرها

صورة الغد في سوريا، بعد الذي حدث ولايزال يحدث فيها، لا تبدو زاهية ولا تبشر بمستقبل قريب واعد للسوريين، كشعب واحد ونسيج وطني متماسك. كل الطرق التي عبدها الجحيم الكبير بالزفت الاسود، والتي تعمق خطوطها يوما بعد يوم في سوريا الحالية، تقود إلى نهايات مأسوية. عندما يقع الشقاق والخلاف في دول متعددة الانتماء الثقافي والديني والعرقي مثل سوريا، لابد إلا ان ينتهي بتسوية تضمن التوازن بين المكونات الاساسية للمجتمع على أساس التعددية والمشاركة في صنع القرار والديمقراطية، واعطاء كل ذي حق حقه، بما يرفع عن الاقليات هواجسها، وعن الاكثرية غبن تهميشها، بتحالف الاقليات ضدها.
هكذا تسوية أرسيت خطوطها العريضة في «جنيف 1» بين الاميركي وبين الروسي. لكن الطريق نحو هذا الحل تتبخر خلاياه وتتفكك من جنيف الاول إلى جنيف الرابع حتى صار صعبا التماسه في المدى المنظور لا بل يبدو مستحيلا. فرغم الغزل القائم بين بوتين وترامب فان الاتفاق بين موسكو وواشنطن على التفاصيل الضرورية لاطلاق مسار الحل السلمي لاتزال محكومة بعقد كثيرة، ليست أولاها الرقة وتنظيم «الدولة الإسلامية»، وليس آخرها العلاقة مع طهران وميليشياتها.
اكثر من ذلك، فان قاموس المفردات السياسية للاعبين المحليين ايضا، لا يتضمن حتى الآن اعترافا بوجود عبارتي تسوية أو حل سياسي. النظام لا يعترف بوجود معارضة سياسية في بلاده، ويصر على ان خصومه هم رهط من «الإرهابيين» تحركهم «مؤامرة خارجية»، وتاليا لا يقبل بأي شكل مبدأ مفاوضاتهم بذريعة أن داء «الإرهاب» هو الكي والاستئصال. ولذا يواصل «كي» الاخضر واليابس حارقا المدن والآمنين والأبرياء. وفي المقابل، فان المعارضة التي جعلها خواء السياسة السورية في عهود التوتاليتاريات المتعاقبة وتكالب الخارج على الداخل، معارضات متباينة المواقف والبرامج والاهداف، لا يجمع بين بعضها البعض سوى شعارات غير قابلة للتطبيق. وتاليا، كانت هي أيضا أعجز عن بناء بديل مقنع للنظام وفرض شروط جديدة لتسوية مقبولة للجميع. واعتماد الفاعلين العسكريين المحليين على قوى إقليمية ودولية، جعل من أجندات تلك القوى، أكثر حضوراً على الأرض السورية. في بعض الأحيان باتت الأطراف المحلية منفذة بالكامل لاشتراطات الخارج. هذا النخر الخارجي وزع الولاءات وفتت الفاعلين المحليين. النظام يبدو منقسماً بين مشايعي إيران وموالي روسيا، وقواه العسكرية بدورها ثنائية المشارب والأجندات. والمعارضة شوه التطرف صورتها وتوزع اكثرها اعتدالا على «منصات» متباينة الاهداف تعكس حال التشتت والوهن.
اما الحسم الميداني فيبدو مستحيلا ايضا لا النظام قادر على استعادة السيطرة على كل سوريا، حتى ولو استعاد عسكريا كل المدن بتدميرها، لان الريف والبادية واجزاء كبيرة من البلاد ستظل خارج سيطرته مهما فعل... ولا المعارضة في ظل تشتتها وتخلي أصدقائها عنها قادرة على اسقاط النظام.
وفي غياب أي تسوية واتفاق يتعزز يوما بعد يوم الفرز ويتعمق الشرخ ويدمر النسيج الاجتماعي بفعل عمليات الفتك والابادة. سوريا صارت صومالا جديدة تحكمها العصابات وتدير مناطقها والمدن المافيات. الصراعات على الزعامة المحلية في كل شارع وفي كل دسكرة وزاروب ويستوي في ذلك مناطق نفوذ النظام ومناطق نفوذ المعارضة. سوريا صارت ارخبيلا والقوى الكبرى المهيمنة تبني جسورا فوقها لاقامة علاقات عامة في ما بينها، وليس لربط جزر هذا الارخبيل.
سوريا الدولة المتماسكة والمستقرة معلقة في انتظار اعجوبة على الارجح لن ترى النور في الامد المنظور.

بقلم : أمين قمورية

امين قمورية