كتاب وأراء

منع الكابتن أبوتريكة من وداع والده!

توفي مساء الأحد الماضي في مصر والد الكابتن محمد أبوتريكة إثر أزمة قلبية، والخبر حتى الآن عادي بالنسبة للجميع؛ فالموت حق وكلنا صائرون إليه، لكن المشكلة هنا هي أن النظام الانقلابي في مصر الذي يقوده عبدالفتاح السيسي كان يتعامل مع الأمر بشكل آخر، فالكابتن محمد أبوتريكة الذي يتمتع بشعبية مصرية وعربية كبيرة، ليس لأنه مجرد لاعب كرة قدم محترف ومميز، ولكن لمواقفه الإنسانية والأخلاقية الأصيلة التي كان يبديها ولايزال خلال مسيرته المهنية جلبت حب وتعاطف الملايين من الشعوب له.
فبعدما سيطر النظام الانقلابي في مصر على مقاليد الأمور بعد الثالث من يوليو من العام 2013 عادى جميع من له مواقف تتسم بالرجولة والأمانة والبطولة والشرف من كل الاتجاهات، وكانت التهم المعلبة جاهزة للجميع؛ فزج بعشرات الآلاف داخل السجون وسامهم سوء العذاب من كل فئات المجتمع وطبقاته، سواء كانوا أعضاء برلمان سابقين أم وزراء أم أساتذة جامعات أو طلبة أو مهندسين أو أطباء أومن أي فئات المجتمع الأخرى، وحال بين هؤلاء وبين أن يتواصلوا مع أحبائهم سواء أمهاتهم أو آبائهم أو زوجاتهم أو أبناءهم، ورأينا عبر مشاهد الفيديو مشاهد مؤثرة ومؤلمة لأمهات على كراسي متحركة ذهبن بعد سنوات ليرين أبناءهن في المحاكم أو آباء قد وهن منهم العظم وضرب أجسادهم الشيب وهم يضمون أبناءهم بشغف وحب وبكاء إلى صدورهم بعدما حال الجلاد الطاغية بينهم وبين أهليهم لأنهم تحدوا طغيانه وفساده، وفي كل يوم يتوفى أب أو أم لهؤلاء دون أن يتمكن من أن يرى أباه أو أمه أو يقف على قبره أو يأخذ عزاءه بين الناس، وهناك قصص مريرة يجب أن تجمع وتروى للأجيال عن انعدام الإنسانية لدى هؤلاء الطغاة، وهناك فريق آخر من معارضي النظام ممن تمكنوا من الفرار خارج مصر وأصبحوا عرضة للملاحقات يعيشون نفس المأساة، لاسيما من له أب كبير أو أم بلغت من الكبر عتياً، وأنا شخصياً عشت هذه المأساة في رحيل شقيقي الوحيد إبراهيم، رحمه الله، حينما حيل بيني وبين حضور جنازته أو حضور عزائه، وعشتها كذلك في وفاة والدة زوجتي التي كانت بمثابة أمي التي توفاها الله وأنا صغير، أمر صعب وقاسٍ على الإنسان أيما قسوة ألا يستطيع أن يلقي نظرة الوداع أو يحضر جنازة وعزاء من يحب، لاسيما إذا كان أماً أو أباً أو أخاً، لذلك حينما توفي والد الكابتن محمد أبوتريكة أصبح أبوتريكة في مأزق إنساني: هل يغامر وينزل وحينئذ من الممكن أن يتعامل معه النظام بإحدى طريقتين: الأولى أن يتركه يحضر جنازة والده ويقف على عزائه ثم يعتقله، والثانية وهي الأرجح ألا يقيم احتراماً لمصابه ويعتقله من المطار بناءً على وضعه مع نحو 1500 من الشخصيات العامة- أنا واحد منهم- على قائمة الإرهاب، خيارات صعبة لكن الحكمة وتفويت الفرصة على النظام الفاسد وطلب الدعاء بالرحمة والمغفرة للميت من أي مكان يكون الإنسان فيه يكون هو الأولى في مثل هذه الحالات، وهكذا فعل الكابتن أبوتريكة الذي نسأل الله أن يتغمد والده بواسع رحمته وأن يرزقه الصبر وأن يحسن عزاءه.
بقلم : أحمد منصور

أحمد منصور