كتاب وأراء

كن صالحا وكفى

هناك مئات وربما آلاف الكتب التي تتحدث عن بناء الشخصية والحياة وكيفية التعامل مع الناس والألم والفشل وكل الأمور التي تسبب القلق أو النكد، لكن كتابا واحدا اختصر كل ما قيل وسيقال فيما بعد حول هذه الامور.. كتاب لم يكتبه إنسان عادي بل امبراطور عظيم عاش منذ آلاف السنين.. وكان لديه من الالتزامات والحروب والهموم ما يكفي شعبا بأكمله، فقد سبعة من اطفاله وبعدهم زوجته التي اخلص لها ولم يخنها ولم يفكر في ذلك مع ان حياة تلك العصر تبيح ذلك ولا تستنكره.. خانه أقرب اصدقائه وتنكر له.. ولم يفارقه ايمانه بصلاح البشر إذا صلحت النفوس.. أطلق على كتابه اسم «تأملات» وأهداه إلى نفسه، وفي مقدمة كتابه لم ينس «ماركوس اوليليوس» الاشخاص الذين تركوا أثرا في حياته.. والده، وزوجته واصدقاؤه..واقرباؤه.. فكل واحد من هؤلاء علمه شيئا، ويعترف فيه ان ما يبهجه ويفرحه هو ان يحتفظ بعقل نقي، وانه لا يزدري أحدا ولا يشمت في أحد، فكل ما يحدث خيرا كان أو شرا محتفى به، وعلينا تقبله، وفي موضع آخر يوجه النصح لنفسه وللإنسان في كل زمان ومكان بقوله:- تقول إنك تفتقر إلى حضور البديهة الذي تنتزع به إعجاب الناس، حسنا، ولكن هناك خصالا كثيرة لا يمكن أن تتذرع بأنها لا تدخل ضمن قدراتك الطبيعية، فلتظهر إذن تلك الفضائل التي هي في حوزتك. بالكامل:_الاخلاص، الوقار، إنكار الذات، الاجتهاد، الرضا، الاحسان، الصراحة، القناعة، الطيبة، الاستقلال، البساطة، التعقل، الشهامة.. أرأيت كم من الفضائل بوسعك ان تظهرها ولا تتملص منها بحجة افتقاِد الموهبة أو الملكة أو الحظ، وهل حقيقة افتقادك للموهبة الفطرية يبيح لك أن تتذمر وتُقَتر وتتزلف وتنحي باللوم على الآخرين وتتملق الناس وتتباهى وتوقع عقلك في الاضطراب؟ واذا كان بك كرب من شيء خارجي فتذكر أن ما يكربك ليس الشيء نفسه بل رأيك عن هذا الشيء، وبوسعك ان تمحو هذا الرأي الآن، اغتنم اللحظة الحاضرة، فإن الذين يتجاهلونها ابتغاء المجد بعد الموت لا يقدرون أن الاجيال التالية سيكون بها أناس يشبهون أولئك الذين يبغضونهم الآن، وهؤلاء ايضا مصيرهم الموت، وماذا يُجديك على كل حال إذا كان هؤلاء القادمون في مقبل الايام يلهجون بهذا أو بذاك، ويرون فيك هذا الرأي أو ذاك....خذني وارم بي في أي مكان شئت، ما دام قلبي عامرا بالايمان فلا شيء سيحطمني، من لا يعرف ما هو العالم لا يعرف أين هو. ومن لا يعرف لأي غاية وُجد العالم لا يعرف من هو، وما هو العالم. ومن يجهل أي شيء من هذا لا يمكنه حتى ان يقول «إنني أعرف سبب وجودي».
كلما أساء اليك شخص وقح فإن عليك أن تبادر إلى سؤال نفسك: هل من الممكن ان يخلو العالم من الوقحين؟ غير ممكن طبعا، إذن لا تطلب غير الممكن، فهذا الشخص الذي التقيت به مجرد واحد من الوقحين الذين لا بد ان يكونوا موجودين في هذا الكون، والأمر ينطبق على الاوغاد والخونة وكل صنف من الآثمين، وإدراكك هذه الحقيقة البسيطة جدا سيجعلك أكثر تفهما...وفوق كل ذلك إذا اتهمت أحدا بالخيانة والجحود فالتفت إلى نفسك، وانظر كيف تخطئ أنت ايضا بنفس الطريقة، قد يكون ذلك بإسباغ قيمة على المال أو اللذة أو الصيت، أو أي شيء آخر... بالتفاتك إلى نفسك سيخمد غضبك في الحال. وعندما يسيطر عليك الحنق أو الضجر فتذكر أن حياة المرء مجرد لحظة وسرعان ما سنكون جميعا في قبورنا... وتذكر كم من الناس قضوا حياتهم في عداوة وشك وبغضاء وحروب غير معلنة، ثم لفتهم الأكفان.. إذن كف عن لجاجتك، فقصير هو ما تبقى لك من العمر.. قل للعالم إنني أبادلك الحب.. وكن شخصا صالحا وكفى.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري