كتاب وأراء

لعبة العبث السورية

لا يبدو أن السوريين العاديين، غير السياسيين أو العاملين في الشأن الإعلامي أو المتورطين بالحرب والدم، معنيون بما يحدث في جنيف في دورة المفوضات السورية- السورية الحالية، إذ يكفي متابعة ما يكتبه معظم السوريين هذه الأيام على صفحاتهم على مواقع التواصل، وعلى مواقعهم على الشبكة الإلكترونية للتأكد أن ما يحدث في جنيف بات ممجوجا ومملا لهم، وأنهم يائسون من كل ما يفعله المجتمع الدولي، وأنهم ينتظرون مفاوضات جنيف العاشرة ربما، فثمة إحساس عميق أن المجتمع الدولي لم يتخذ قراره الحاسم حتى الآن بشأن سوريا، وأن اللاعبين الأساسيين، في المنطقة والملف السوري تحديدا، أميركا وروسيا، لم يتفقا بشكل نهائي على القرار الأخير بما يختص بسوريا، ريثما يستقر وضع ترامب القلق حتى الآن في البيت الأبيض، هذا عدا عن أن نوايا النظام السوري بوفده المفاوض قد توضحت منذ اليوم الأول، سواء على لسان الجعفري الذي صرح أن موضوع انتقال السلطة أمر غير مقبول الحديث فيه بتاتا، أو على لسان ديميستورا الذي نقل تهديدا مباشرا عن النظام االسوري بأن فشل المفاوضات سيؤدي إلى أن تتحول إدلب إلى حلب أخرى! كما توضحت من رفض وفد النظام التفاوض المباشر مع وفد المعارضة الذي طالب بذلك علانية، عدا عن الخلافات بين وفود المعارضة المدعوة بمنصاتها المتعددة، وتنازل بعضها عن مطالب أساسية، وتمسك البعض الآخر بمطالب معروف مسبقا أنه سيتم رفضها وعدم القبول بها، ويبقى الأهم في كل ذلك هو ملف المعتقلين، هذا الملف الذي تتجاهل وفود المعارضة التطرق له إلا من باب ذر الرماد في العيون، بحيث يصبح لا وجود له لولا قيام بعض الناشطين السوريين وبعض أسر المعتقلين بحمل صور بعض المعتقلين والوقوف خارج مدخل الأمم المتحدة، ربما ينتبه أحد إلى المأساة الكبرى والأهم في الملف السوري، وهو عشرات آلاف المعتقلين والمختفين في سجون النظام السوري لا يعرف أحد عنهم شيئا، ولا يبدو أن ثمة نية للنظام بالإفراج عن الأحياء منهم، أو حتى عن وقف ملف الاعتقالات، إذ رغم كل ما يحدث مازال النظام السوري يعتقل المعارضين السلميين في سوريا، عدا أيضا عن المختطفين والمختفين في معتقلات التنظيمات الجهادية، ومنها من هو مشارك في المفاوضات الحالية في جنيف، بما يشكل حالة بمنتهى العبثية: النظام بكل تاريخه الحافل بجرائم الدولة المنظمة يفاوض من يسميهم طيلة الوقت بالإرهابيين، ومنهم من يناسبه هذا اللقب، إذ فتك البعض منهم بالسوريين بنفس طريقة فتك النظام بهم، وقتل واعتقل وأخفي ناشطون وثوار مدنيون وسلميون كما يفعل النظام.
والمفاوضات تتم برعاية المجتع الدولي الذي يمد جميع الأطراف بالسلاح لتستمر المقتلة السورية إلى أجل غير مسمى، ويعلن عجزه عن صياغة حل عادل وشامل للقضية السورية في تواطؤ لم يعد خافيا على أحد مع نظام وتنظيمات القتل في سوريا!
وبين هذه الأطراف يشارك بالمفاوضات بعض السوريين الوطنيين القلائل، الذين لا مانع لهم من طرق أبواب المريخ إن كان ثمة حل هناك لوقف المقتلة السورية، هذه العبثية التي يعرفها السوريون جيدا هي ما تجعلهم غير مكترثين بما يحدث في جنيف ويتابعون الكتابة عن يوميات موتهم وغربتهم بكل يأس العالم.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران