كتاب وأراء

نحن وهم

جاء في كتاب «المستطرف في كل مكان مستظرف» أنه لما مات أحد الخلفاء في العصر العباسي، نمى الخبر إلى زعماء الروم وكان بينهم وبين العرب يومئذ حروب ومناوشات وعداوة، فاجتمعوا لتبادل الرأي والمشورة وكيفية استغلال الخلاف الذي دب بين الأمراء والقادة والطوائف والأقاليم حول أحقية من يتولى الخلافة، واقترح أكثر من واحد اقتناص هذه الفرصة والانقضاض على العرب المشغولين بالسلطة والحكم والنفوذ، ثم ذهبوا إلى حكيم يستأنسون برأيه وأخبروه بقرارهم، وكانت المفاجأة أنه لم يوافق على هذا الرأي ولم يتحمس له، فلما سألوه عن السبب، طلب منهم أن يعودوا إليه في يوم موعود حدده لهم، وفي الموعد المحدد ذهبوا إليه، وإذا به يحضر كلبين عمد على تجويعهما وقتا طويلا، ثم أمر خدمه فأطلقوا سراحهما، وانقض كل واحد منهما على الآخر بشراسة الجائع، حتى سالت دماؤهما وكاد يفتك كلاهما بالآخر، وفي تلك اللحظة أشار بإصبعه لخادم آخر، ففتح بابا مواربا خرج منه ذئب عظيم الهيئة، ما أن لاحظ الكلبان وجوده حتى كفا عن العراك وهجما عليه معا ولم يتركاه إلا بعد أن أصبح جثة هامدة.. عندها التفت الحكيم إلى قومه وقال: «الروم مع العرب كما شهدتم الآن، لا يزال الهرج بين العرب ما لم يظهر لهم عدو من غيرهم، فإذا ظهر تركوا ما بينهم من نزاع وعداء وتآلبوا على عدوهم مجتمعين».
وعلى الرغم من هذا التشبيه المهين إلا أن فيه الكثير من الحقيقة، إن ألد أعداء العرب، هم العرب، وألد أعداء الإسلام هم المسلمون أنفسهم، يتناحرون فيما بينهم حتى تضعف قواهم ثما يتكاتفون للتصدي لعدو قوي مستعد ادخر قواه لما هو أهم.
في أوروبا وأميركا تجد مجتمعات مصغرة من باكستان والهند وروسيا وأرمينيا وغيرها، مجتمعات منظمة ولها قوانين غير مكتوبة أهمها التعاون والتعاضد في السراء والضراء، مجتمعات تدرك أن التهاون في حماية الضعيف سيكون مدخلا لإضعاف القوى حسب القصة المعروفة «أُكلنا يوم أُكل الثور الأبيض»، ومنذ سنوات بعيدة نجح المغتربون الأوائل من العرب والمسلمين في السيطرة على شارع حيوي يضج بالحياة والناس في أحد ضواحي «لوس أنجلوس» وعلى الجانبين تجد محلات عربية ومطاعم ومتاجر تتشابه بضاعتها أو تكاد، وصالونات للرجال والنساء وعدة مكتبات أكبرها لسيدة عجوز أردنية الأصل، قالت لي فيما يشبه النبوءة» بعد سنوات ستختفي معظم هذه المتاجر، إن أصحابها الذين ورثوها من آبائهم وأجدادهم يعتقدون أن إزاحة المنافسين لهم عن طريق المكائد والدسائس سيزيد من أرباحهم، إنهم يحفرون قبورهم بأيديهم. وهذا ما حدث.. الآن لم يتبق من تلك المحلات سوى عدد قليل، وحلت محلها متاجر ومطاعم أميركية، ومع أن أعداء الإسلام في هذا العصر أقوياء كما قال الشيخ «محمد الغزالي» ومع استمتاعهم بقدر كبير من العلم والدهاء، ومع أنهم أحرزوا ضدنا انتصارات كبيرة في أكثر من ميدان، مع هذا كله فلست أخاف منهم على ديننا قدر ما أخاف على هذا الدين منا.. من متحدث جاهل، أو منافق طلق اللسان، أو سياسي يتبع هواه» والهوية عربي.. ومسلم.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري