كتاب وأراء

أسئلة الدولة وأسئلة المجتمع وهوة ما زالت تتسع

تتفق النظريات السياسية على أن المجتمع أقدم من الدولة وأن السلطة السياسية نشأت لاحقة لظهور التجمعات البشرية. أصحاب نظرية «العقد الاجتماعي» مثلاً وإن اختلفوا حول سبب تكوين الدولة إلا أنهم اتفقوا على أن الناس كانوا يعيشون قبل ظهورها في حالة أولية أسموها حالة الطبيعة الأولى. عند فيلسوف مثل «توماس هوبز» كان المجتمع يعيش في حالة من القلق والعدوان ولهذا أقام سلطة الدولة لتكفل له الأمن.
أما «جون لوك» فافترض على النقيض أن المجتمع كان سعيداً ومع هذا أسس الدولة لتزيد سعادته. في حين اعتبر «جان جاك روسو» ظهور الدولة تجسيداً لرغبة المجتمع في وجود كيان يعبر عن إرادته العامة. الماركسية نظرية أخرى اعتبرت الدولة أداة استحدثتها طبقة اجتماعية مسيطرة لكي تخضع المجتمع كله بها لمصلحتها.
والتاريخ، القديم منه والحديث، يؤكد أنه ما من إمبراطورية تكونت أو دولة نشأت إلا لتحكم مجتمعاً موجوداً بالفعل. خذ الدول العربية التي نشأت بعد التخلص من الاستعمار. فعمرها عقود. أما المجتمعات التي تحكمها فيضرب بعضها بجذوره آلاف السنين. وطالما أن المجتمع أقدم من الدولة وطالما أنها نشأت لتشبع احتياجاته فمن حقه أن يسألها وعليها أن تجيبه. لكن ما حدث مراراً في منطقتنا أن انفصلت الدولة عن المجتمع. نسيت أنه الأصل وأنها وجدت لكي تعبر عن مطالبه وتحقق أمانيه. باتت هي التي تطالبه بالخدمة وبالخضوع التام والاستسلام الكامل لإرادتها. وطاعة الدولة بلا أي تردد واجبة لأن الخروج عليها فوضى. لكن طاعة المجتمع لا تقل وجوباً لأن الدولة المطيعة لشعبها معصومة من الوقوع في الفوضى.
ولم تكن الفوضى لتنتشر في منطقتنا إلا لأن علاقة الدولة بالمجتمع ليست على ما يرام. فلا الدولة مطيعة للمجتمع فتسمع له بتوقير ولا المجتمع راض عن الدولة ليخضع لها طواعية. المجتمع يطرح على الدولة أسئلة لكنها لاتجيب عليها، بل وباتت هي التي تسأله وتستاء لو أن أحداً سألها أو تجرأ فساءلها فتتهمه بأنه أساء لها.
المجتمع يطرح ثلاثة أسئلة عن العدالة والحرية والمساواة. أما الدولة فتطرح ثلاثة أسئلة أخرى عن الصبر والالتزام والطاعة. المجتمع يسأل أولاً عن الظلم فينتقد المحسوبية والمحاباة. يريد العدل ويسمع الدولة وهي ترفع شعاره لكنه يتساءل عن الفجوة بين ما يسمع وما يرى. ويسأل ثانياً عن سبب كتم صوته وحجب رأيه ومصادرة حقه في التنافس على المناصب. يريد جواباً على سؤال الحرية لكن الدولة لا تهتم بتقديمه. ويسأل أخيراً عن المساواة ولماذا يتمتع البعض بفرص عظيمة دون غيره. ولا يسأل المجتمع عن المساواة لأنه كسول يطمع في ما لا يستحق وإنما لأنه يجتهد ومع هذا يجد الفرص تنهال فقط على من تحب الدولة وتنتقي.
لكن لماذا تهتم الدولة في منطقتنا بأسئلة المجتمع إذا كانت لا تدين له بالفضل؟. نعم لا تدين له بالفضل لأنها نشأت دون أخذ رأيه. إما أن شكلها استعمار اختار لها الحدود والشكل ونظم الإدارة. أو فرضتها الجيوش في بعض الحالات بالقوة. لقد نشأت الدول العربية المستقلة بسرعة البرق. ولم تكن مستقلة عن الخارج بقدر ما كانت مستقلة ومنفصلة عن مجتمعاتها. لها مصالحها الخاصة وأسئلتها المختلفة. فهي تسأل المجتمع أولاً أن يصبر خاصةً أنها دائماً ما تعده بأن الفرج على بعد خطوات. وتسأله ثانياً الالتزام وتطلبه من كل مواطن كاملاً غير منقوص دون نقاش لما تقول أو تفعل. وتسأله ثالثاً الطاعة لأن الإلتزام وحده لا يكفيها وإنما لا بد من الاستسلام. والاستسلام للدولة والالتزام بما تقرره ليسا بخطأً إذا كان يحكمهما قانون عادل وإلا فلن يكون الاستسلام إلا قهراً ولن يكون الإلتزام إلا شكلاً.
لقد أنتج التفاوت بين أسئلة الدولة وأسئلة المجتمع حالة من اللف والدوران بين الجانبين. فالمجتمع يسأل والدولة لا تجيب. والدولة تناشد والمجتمع لا يستجيب. ونتيجة هذا اللف والدوران انصرفت شرائح من المجتمع بعيداً عن الدولة لتنزلق في مسالك مشبوهة من بينها الرشوة والإرهاب والاقتصاد الموازي والفساد. نشأ مجتمع عميق غاطس ومشبوه داخل المجتمع الأصلي يكاد لكبر حجمه أن يكون مجتمعاً موازياً. والمجتمع الموازي عبء على الدولة لأنه يراوغها أكثر ويتهرب منها بكل الحيل. لكن الدولة الرسمية في المقابل وبعد أن أهملت مجتمعاتها راحت تتراجع وتنسحب لتترك فراغاً ملأته دولة غير رسمية من أصحاب المصالح الغاطسة والنافذة في تلافيف الدواليب الحكومية. وهذه الدولة الموازية ليست إلا عبئاً ثقيلاً على المجتمع. تجبي منه أكثر وترهقه بكل الطرق. ولا خروج من هذه المعضلة إلا بأن تجعل الدولة الرسمية أسئلة المجتمع الأصلي أسئلة أيضاً لها. أما لو ظلت الهوة تتسع فسيبقى الحال لا يسر البال.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات