كتاب وأراء

هل أدركوا حقا ؟!

هناك جملة في الثقافة اليابانية تقول: «واحد مع الآخر وواحد من أجل الآخر»، ولإيمانهم الشديد بهذه المقولة تعرض الياباني الوحيد الذي نجا من غرق السفينة «تايتانك» للانتقاد والاحتقار، فليس من الشهامة أن ينجو هو ويموت الآخرون، ولهذا كان ضحايا «هيروشيما» يعتذرون لبعضهم البعض لبقائهم على قيد الحياة في ذلك اليوم العصيب.. «أنا آسف» ندم أبداه أحدهم وهو ينحني بينما جلد ذراعيه منسلخ عنهما «آسف لأني ما زلت على قيد الحياة وفقدت أنت طفلك» وقال آخر في جدية بينما شفتاه متورمتان بدرجة مخيفة حيث تم تشبيهها بثمرة برتقال، وهو يخاطب طفلا ينتحب بجانب جثة والدته: «آسف.. أنا آسف جدا على موتها بدلا منا» وكان من بين الأحياء الذين نجوا من الموت في هيروشيما والتي تعني بلغة اليابان الجزيرة الرحبة، طبيب يدعى «هاشيا» سجل مذكراته عن أخطر وأبشع يوم في تاريخ البشرية وعنونها باسم «يوميات» وتمت ترجمتها إلى معظم لغات العالم وقال فيها: «كانت الساعة مبكرة والصباح ما زال هادئا ودافئا، وأوراق الشجر تعكس أشعة الشمس، وكنت أتأمل المنظر الخلاب من خلال باب منزلي المفتوح على الحديقة، وفجأة، لمع ضوء شديد تبعه آخر، واختفى الضياء وحلت عتمة شديدة، ومن خلال سحب التراب رأيت بصعوبة شديدة العمود الخشبي لمنزلي يتأرجح، ثم انخفض السقف، وبحركة لا إرادية حاولت أن أهرب، ولكن الأحجار والأخشاب سدت طريقي، وبعد أن تجاوزت الحديقة وخرجت للشارع توقفت قليلا لأسترد قواي، ولشدة دهشتي اكتشفت أني عار تماما، تعجبت من نفسي، أين ذهبت ملابسي؟ ماذا حدث؟ ثم انتبهت إلى أن جانبي الأيمن مثقل بالجراح، والدم يسيل منه، وشظية من الخشب تبرز من فخذي، كما كان وجهي ممزقا، وقطعة كبيرة من الزجاج مغروسة في عنقي، أخرجتها بكل بساطة، وجعلت أنظر إليها وإلى يدي الملوثة بالدماء في غير اكتراث بسبب ما أصابني من ذهول.. أين زوجتي؟ وفجأة دب في قلبي الفزع وأخذت أناديها بصوت عال، والدم ينزف بغزارة من عنقي، وفجأة اتضح لي الموقف، إنها قنبلة ذرية تزن خمسمائة طن، ورأيت زوجتي تخرج من حطام ما تبقى من منزلنا وملابسها ممزفة وملوثة بالدم، وما أن رأيتها حتى هدأت وذهب عني الفزع، وحاولت أن أنقل لها هذا الإحساس، سرنا معا ونحن نتعثر ونقع، ثم ننهض ونواصل المشي والجري أحيانا، وفي أثناء جريي وطئت قدماي شيئا في الطريق فسقطت، وما أن نهضت ثانية حتى عرفت أني قد وطئت رأسا آدمية انفصلت عن جسد صاحبها، صحت في عصبية وبدون تفكير: «آسف.. المعذرة.. المعذرة» وأثناء سيرنا على غير هدى أحسست بعطش شديد لا أستطيع له دفعا، فتضرعت إلى زوجتي أن تحضر لي بعض الماء، ولكن لم يكن هناك ماء، وبعد قليل عاودتني بعض قواي، فعاودنا المسير، وكنت لا أزال عاريا تماما، ومع ذلك لم يصبني أي شعور بالخجل، وفي زاوية الطريق التقينا جنديا يقف في ذهول وعلى كتفه منشفة، سألته أن يعطيني أياها لأستر عورتي، فسلمني المنشفة دون أن ينبس بكلمة، ثم ظهرت أمامنا امرأة عارية تحمل طفلا عاريا فغضضت بصري، وخيل إلى أنهما كانا يستحمان وقت حدوث الانفجار، ثم رأينا شخصا آخر عاريا.. لقد حدث شيء عجيب جردنا من ملابسنا دون أن نشعر، وكان هناك من مات دون أن يدرك شيئا، البعض كان فوق دراجته أو فوق الجسر أو قرب النهر.. مئات الأموات ومئات المصابين.. وصلنا إلى المستشفى أو ما تبقى منه بعد جهد، كان كل شبر مكدسا بالجرحى، بعضهم منطرح على الأرض وبعضهم يحاول التماسك والبقاء واقفا، ومن حين لآخر تسمع طفلا ينادي أمه دون جدوى»، وفي حين سجل هذا الطبيب تلك اللحظات اللاإنسانية والتي راح ضحيتها مائة وأربعون ألف مدني محترقين ومتأثرين بجروح خطيرة، تفاخر صاحب قرار إلقاء القنبلة «ترومان» في مذكراته بما حدث وقال: «عقب هذه الحادثة خرجنا من هذه الحرب ونحن أقوى دولة في العالم، بل أقوى دولة في التاريخ» وبعد71 عاما زار «باراك أوباما» تلك المدينة المنكوبة، وهي الزيارة الأولى لرئيس أميركي أثناء ولايته، وقال وهو يضع إكليل الزهور على النصب المقام لضحايا القنبلة «لماذا جئنا إلى هذا المكان، إلى هيروشيما؟ جئنا لنفكر في قوة مروعة أطلقت في ماض ليس ببعيد. جئنا حدادا على الموتى. أرواحهم تخاطبنا، يطلبون منا النظر إلى دواخلنا لندرك من نحن.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري