كتاب وأراء

اختراق

لا أعلم كيف أتحدث عن الأمر، لكن دعوني أوضح لكم بالتدريج ما يحدث:
هناك مجموعة من الأشخاص تنظر إلى أحلامي..
يأخذون الوقت كاملا في الفرجة علي: خائف، مطارد، منتحب، ومكشوف، وخارق للعادة في بعض الأحيان.. وسعيد في مرات نادرة..
يتأملونني وأنا أقفز، أو أحلق، أو أختبئ.
ينظرون بدقة، وعقلية ناقدة، إلى رأسي، حيث أحلم، كمجموعة تتابع برنامجا علميا.
الأمر حقيقي بالفعل،
في أثناء نومي أشعر، وبمجرد الدخول في الحلم، أي حلم، بأن هناك أربعة أو خمسة أزواج من العيون تنشق في ليل جمجمتي. وعندما يُضاءُ الحلم بشكل كامل تتضح بالتدريج أشكال وجوههم، وطريقة جلوسهم هناك في الزاوية التي تمكنهم من النظر والمتابعة والرصد بشكل مريح.
في الحقيقة، وبالرغم من أنهم لا يتغيرون في كل ليلة، إلا أنني لم استطع التعرف عليهم على وجه الدقة، ليسوا أصدقاء، ولا أقارب، ولا زملاء عمل، وليسوا أعداء أيضا، لم يسبق لي الالتقاء بهم في أي مكان من قبل، فقط مجموعة من الرجال، أظن أحدهم أو اثنين من بينهم ملتحين، لا ليسوا متدينين، أفهم إلى أين يتجه تفكيركم الآن، كل ما أقوله أنهم مجموعة من الناس الذين من الممكن أن نصادفهم في أي مكان.. وهم هادئون في الغالب، لا أستطيع وصفهم بالمتجهمين أو المسرورين أو المثارين، أو حتى أنهم يشعرون بالتسلية... لا شيء يمكن وصفه بالمميز، سوى تلك النظرات التي يتبادلونها أثناء ما أقوم ببعض التصرفات الحلمية التلقائية وغير المحسوبة، وتمثل بالنسبة لهم ـ كما أظن ـ هفوات..
عموما أنا، ولكثرة ما يتطفلون على أحلامي - هل استطيع تسمية فعلهم هذا بغير التطفل؟!، ربما هم يقومون بمهمة حددها لهم طرف آخر، لكن بالنسبة لي لا يتجاوزون مجموعة من المتطفلين والمزعجين أيضا - المهم أنهم ولكثرة تواجدهم في أحلامي أطلقت عليهم تسميات خاصة، من غير المهم معرفتها..
أنا في النوم، وأثناء ما أحلم مجبر ومكشوف أيضا، أشاهد عيونهم تخترق نومي، وتصل إلي. تتابع باستفزاز كل ما أقوم به، والمحرج أنهم، وفي لحظة معينة، عندما أكون مترددا في اتخاذ بعض الخطوات المصيرية أثناء الحلم، أو عندما أكون خائفا بطريقة واضحة، أو عندما أصاب بالحيرة في بعض المواقف، ينظرون إلى بعض، تلك النظرات الباردة التي يطلقها من يتصف بالحنكة البالغة عندما يكتشف أخطاء تنم عن قلة الخبرة.. يهزون رؤوسهم، وفي بعض المرات يتبادلون حديثا قصيرا لا أستطيع سماعه، إذ أكون وقتها في ضجيج الحلم، أود وقتها لو استطعت التوقف قليلا، والاستماع إلى تعليقاتهم حول ما يحدث تحت معي، لكن لا شيء يحدث من هذا، كل ما هناك أنني أواصل حلمي مرتبكا ومراقبا من خبراء، أو هكذا يظهر لي..
والأمر لا يتعلق فقط بالرغبة في الاكتشاف، والإنصات لما يقولون، في مرات كثيرة أشعر بالخجل أيضا، لاسيما تلك المرات التي يتعلق الأمر فيها بتلك اللحظات من التعبير الكامل عن رغباتنا الأكثر سرية، التعبير الحقيقي والواضح، مراقبين هذه هي اللعنة بعينها.. عندها تصبح كل حركة طبيعية وروتينية في هذه الأحلام التي تحدث لكل الناس، بالغة الإحراج لي، كرجل يتعرى على مسرح.. أتردد، أماطل، أحاول استنفاد كامل الوقت قدر المستطاع، لكنهم هناك.. ويراقبون، وأشعر أنهم غير مكتشفين انتباهي لهم، غير مدركين معرفتي بوجودهم في سقف نومي.. وهذا ما يدفعهم – كما أتوقع – إلى احتساب ما أقوم به - بدافع الخجل - إلى قلة الخبرة. أشعر أنهم ومع كل تأخير من جهتي للحظة الحاسمة يسجلون نقاط ضدي، وهذا ما يقلقني أيضا، ماذا لو كانت هذه المجموعة هي المجموعة الخاصة بمراقبتي من بين مجاميع أخرى منتشرة في أحلام الناس، وأنهم، وفي نهاية الأمر، سوف يجتمعون في مكان ما من النوم أو الحلم أو الليل أو أي كارثة.. لتسجيل أسماء الفائزين، يختارون مجموعة من هذا الكوكب مثلا ليكونوا الأكثر اتقانا في أحلامهم، أو ليكونوا مبتكرين أحلام، أو ليكونوا مراقبين جدد لأحلام الناس، أشعر بالقلق أنني ونتيجة لمخاوفي قد أخسر في النهاية وأفوت على نفسي فرصة رائعة من هذا النوع.
لكن كل هذه الهواجس لم تدفعني لأكون أكثر جراءة في أي مرة، أنا دائما ذلك الرجل الخجل الذي يتعرى على المسرح.. وهم صامتون تقريبا فوق. ولأنني لا أستطيع إنهاء حلم لم أقرر بدايته، أستمر، بنفس التردد.. وأقوم بتلك الأمور، بشكل بالغ الرداءة، الشكل الذي لا يمثلني أبدا.. ولا يعبر عن شخصيتي المبتكرة.. أود فقط الانتهاء سريعا، وتغطية نفسي عن هذه العيون.

بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد