كتاب وأراء

قبل أن تخلع «فانلتك»



يقال: «كثرة المساس تُبلد الإحساس»، ما يعني أن وفرة النعمة تولد ازدراءها، ابتذالها وعدم تقديرها والتعامل معها باعتيادية وبلادة ورتابة. ويقال «ازهد الناس في العالم أهله وجيرانه» وبالعامية «زمار الحي لا يطرب».
وقد روي أن والدة الإمام أبي حنيفة كانت تثق بتلميذ لابنها يدعى «عمر بن ذر» فتراه علامة، وتحب حضور دروسه فيما تزهد في مجالس علم ابنها، كونها تستخف بعلم ابنها رغم أنه أستاذ عمر، بل كانت تطلب من أبي حنيفة أن يأخذها لمجلس عمر لتستفتيه، فكان أبوحنيفة يأخذ أمه لمجلس عمر، فتطلب من ابنها الدخول على تلميذه ليستفتيه في مسألة، فيفعل.
فيتعجب عمر: «كيف تسألني وأنت إمامنا؟!».
فيرد أبوحنيفة: «إرضاءً لأمي».
فيقول له عمر: «إذن فلتخبرني بإجابة سؤالها».
فيخبره أبوحنيفة بالجواب سراً، ليرفع عمر صوته ويقول: «يا أباحنيفة، جواب مسألتك كذا وكذا ليسمع الأم!».
فترضى بجواب التلميذ ولا ترضى بنفس جواب الابن!
وقديما قال الشافعي:
والتَّبْر كالتُّرْب مُلْقَىً في أَمَاكِنِهِ**** والعودُ في أرضه نوع من الحطب
فإن تغرَّب هذا عزَّ مطلبهُ*** وإنْ تَغَرَّبَ ذَاكَ عَزَّ كالذَّهَبِ
وأتفق مع ما ذكره الدكتور مصطفى محمود أن النفس الإنسانية لا تزداد شبعاً بل جوعاً، ولا تزداد امتلاء بل خواء، لكني أجد أن تلكم الانانية مشروطة بالتنوع، فتعطش النفس للمزيد يكون شريطة تجربة الجديد المختلف وإهمال القديم المألوف وهجر ما في اليد والتطلع لما في حوزة الآخر.
وللدكتور مصطفى محمود مقال بعنوان «أسرار الشعور» يصف فيه تغير مشاعر الرجل تجاه زوجته فيقول: «المرأة تحس بها وأنت تشرع بالزواج منها بفترة الخطوبة، فإذا تزوجتها ولبستها تماما كالفانلة وأحاطت بصدرك فقدت الشعور بوجودها، حتى تصبح كقطعة أثاث بالبيت تدخل كل يوم لتجدها بمكانها، مثل المنظر تطل عليه من نافذتك يثيرك للمرة الأولى ثم يصبح عادياً ثم تنساه تماماً، وتظل المرأة منسية كالفانلة، حتى تأتي اللحظة التي يدب فيها الخلاف بينكما وما أن يوشك الزواج لهاوية الطلاق وما أن تبدأ في خلعها كما تخلع فانلتك، فتعود في تلك اللحظة للشعور بها بعنف وترتجف من خشية فراقها».
فما سر فتور مشاعر البشر؟ لماذا يكد الإنسان للحصول على وظيفة وبمجرد الحصول عليها ورُغم تضاعف راتبه حتى يتضاعف سخطه؟ ولما ينطفئ وهج قلبين كان يحلمان بالاقتران، وما ان ينفصلا حتى يعضا أصابع الندم؟
بحسب د. مصطفى، فإن السر في كيمياء الأعصاب التي تشعر بلحظات الانتقال ولا تأبه لساعات الاستمرار، فحينما تعيش بصحة جيدة لا تحس بصحتك إلا ساعة المرض.
تدخل محل عطور تعيش نشوة لا تدوم سوى لدقائق، ثم لا تلبث ان تفقد الشعور بأي رائحة!
تركب الطائرة تشعر بلحظات الإقلاع والهبوط لكن لا تشعر بطول فترة سلامة الرحلة إلا عند حدوث مطبات هوائية!
تشعر بالمصعد في لُحيظة صعوده وهبوطه أما في الدقيقة بين اللحظتين فلا تشعر بشيء كون حركته مستمرة!
فالديمومة ماحية للشعور لأن أعصابنا عاجزة بطبيعتها عن الاحساس بالمنبهات الدائمة كما ورد عن د. مصطفى الذي يصر أننا مصنعون من الفناء ولا ندرك الأشياء إلا لحظة فنائها، وأنا أضيف أننا نشعر بها لُحيظة اقتنائها.
وبالطبع قلة منا تدوم حلاوة سلام أول لقاء في يديها.
ندرة من يثمنون ثرواتهم وأرزاقهم قبيل أن تفر من بين يديهم وينعموا بأحبتهم قبيل الطلاق.

داليا الحديدي