كتاب وأراء

محمد بوستة .. فقد عظيم للدبلوماسية العربية

ينتمي محمد بوستة السياسي المغربي اللامع، الذي رحل عن دنيا الناس الأسبوع الماضي، إلى جيل من سياسيين مغاربة بارزين لعبوا دوراً مؤثراً داخل وخارج بلادهم، في هدوء وحكمة وتبصر، وقدرة على التصدي للمشاكل بلا أفكار مسبقة أو مواقف جامدة. كان بوستة يعتقد أن جميع المشاكل قابلة للحل وكل الصعاب يمكن معالجتها.
تولى محمد بوستة قيادة «حزب الاستقلال» لعقود، وعندما وجد أن دوره انتهى انسحب دون ضوضاء. لكن الأهم أن اسمه ارتبط بفترة مهمة في تاريخ العالم العربي، وهي فترة قمم عربية حاسمة كانت تشكل أداة العمل العربي الأساسي.
تولى بوستة منصب وزير خارجية المغرب من أكتوبر 1977 وحتى نوفمبر 1983. كانت فترة فوارة في تاريخ المنطقة، إختار خلالها الحسن الثاني ملك المغرب الراحل أن يخوض غمار الصعب، وذلك بعقد قمم عربية حاسمة في بلاده. معتمداً على وزير خارجيته محمد بوستة لإنجاز المهام الصعبة.
كان دوره آنذاك إقناع العواصم العربية الفاعلة المشاركة في القمم، خاصة أصعب قمتين على الإطلاق، وهما «قمة فاس الأولى» التي انعقدت في سبتمبر 1981، واضطر الملك الحسن الثاني تعليقها بعد أن قاطعها قادة كان من أبرزهم آنذاك حافظ الأسد وصدام حسين، كانت قمة صعبة في زمن صعب، لأنها جاءت بعد زلزال مبادرة أنور السادات بزيارة القدس، وتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد.
في تلك الفترة، كان بوستة «يقطن» داخل الطائرة، متنقلاً من عاصمة إلى أخرى لترتيب القمة الأولى، وعندما فشلت كان عليه أن يواصل مهمة شاقة ستستمر حتى سبتمبر عام 1982، حيث عقدت» قمة فاس الثانية».
حققت «قمة فاس» عدة مصالحات والأهم أنها تبنت موقفاً كان من قبل مستحيلاً، عندما أقرت ثمانية قرارات، من بينها القرار السابع الذي يقول» يضع مجلس الأمن الدولي ضمانات السلام بين جميع دول المنطقة بما فيها الدولة الفلسطينية المستقلة». كانت تلك أول مرة تطرح فيها «فكرة الدولتين». ونص القرار السادس على «قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس». كان مهندس تلك الصيغة هو الملك الحسن الثاني، ساعده محمد بوستة، وهو في الأصل محامي يتقن الصياغات.
عقب فورة القمم تلك، ستحدث متغيرات في العالم العربي جعلت كل بلد عربي يركز على شؤونه الداخلية بالدرجة الأولى، وتوارى المشروع العربي، وراح كل بلد يقصر همه على مشاكله الذاتية.
ثم أن العالم العربي عرف إختلالاً وعدم توازن لاختفاء صيغة «المعسكرين» التي اعتمد عليها في ضبط علاقاته الدولية. ثم جاءت فترة عسيرة عندما تاه العرب في دنيا متغيرة، دون إدراك كنه تلك المتغيرات، وأخفقوا في تحديد موقعهم ومواقفهم، وتوالدت حروب إقليمية وحدودية، غيبت فكرة «القمم» أداة للعمل المشترك.
في تلك الفترة غادر محمد بوستة منصبه كوزير للخارجية، لكنه ظل قريباً من دائرة صنع القرار، حتى عام 1993 عندما اقترح عليه الملك الحسن الثاني تولى رئاسة الحكومة، بيد أن بوستة إشترط إبعاد إدريس البصري وزير الداخلية الواسع النفوذ آنذاك، من أي تشكيلة حكومية، لكن العاهل المغربي رفض ذلك الشرط، وظل بوستة مستشار دون منصب وهو أمر استمر في عهد الملك محمد السادس الذي وصف رحيله بأنه «خسارة كبرى «وقال في برقية تعزية لأسرته «كان أحد رجالات المغرب الكبار الذين كرسوا حياتهم لخدمة مصالحه العليا».
كان محمد بوستة رجلا يتمتع بصلابة خلقية ووطنية تدعو للإعجاب. كتوم يحتفظ بكل أوراقه قريبة إلى صدره. ديبلوماسي بالفطرة يعرف كيف يقول كل ما لديه بكياسة. من الصعب أن يبهرك من بعيد، لكن من الصعب ألا تحترمه عن قرب. يتقن التعامل مع الصحفيين. كان يقول دائماً «الإعلام في كثير من الأحيان أهم من السياسة». أعتقد أن أي سياسي لا يتقن الإعلام يبقى محدود التأثير. كان سياسياً حذراً يسيطر على نفسه سيطرة قوية. عرف كيف يجمع بين صفات الكياسة والمرونة والصلابة. له عقل بارد، يتكلم بهدوء كلام الواثق، يحدق بانتباه وكأنه يريد بالفراسة أن يكتشف الآخرين.
كان سياسياً ورجل دولة ترك خلفه تاريخاً مضيئاً.

طلحة جبريل