كتاب وأراء

الانتخابات النيابية : لبنان على مفترق طرق

مع انتهاء المهلة الرسمية الأولى، بـ 21 فبراير الجاري، لتوقيع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة للبدء بالتحضير لإجراء الانتخابات النيابية المقبلة، وعدم توقيع رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون عليه، يكون لبنان قد دخل في مرحلة جديدة من الصراع المحتدم على صيغة قانون الانتخاب الذي ستجري على أساسه الانتخابات.
وهذا الصراع المستمر منذ أكثر من ثماني سنوات يتواصل على الرغم من معرفة القوى السياسية المعارضة لإقرار قانون يعتمد التمثيل النسبي الكامل بأن المهل الدستورية آخذة بالنفاد، وأن إمكانية فرض أمر واقع لإجراء الانتخابات على أساس قانون الستين ليس متاحاً، بل انه مستحيل، وكذلك فإن التمديد مجدداً للمجلس النيابي غير وارد، والسبب يعود إلى السقف الذي رسمه الرئيس ميشال عون وحدد فيه ثوابت موقفه بالتأكيد بشكل حازم وغير قابل للنقاش بان لا انتخابات إلاّ على أساس قانون جديد يحقق صحة وعدالة التمثيل ويقوم على أساس النسبية.
انطلاقاً من ذلك لم يعد مقبولاً استمرار هذا القانون المجحف بحق اللبنانيين والذي فصل في السابق على قياس بعض أطراف الطبقة السياسية الحاكمة وأمن لها أغلبية نيابية وفرت لها القدرة على التشريع وتشكيل الحكومات والسيطرة والهيمنة على مفاصل الدولة وبالتالي تحقيق مصالحها على حساب مصالح الغالبية من اللبنانيين.
وفي ظل رفض رئيس الجمهورية ومعه العديد من القوى السياسية التمديد مجدداً للمجلس النيابي فإن البلاد تكون قد دخلت في أزمة جديدة تكمن في انتهاء مدة ولاية المجلس النيابي، وبالتالي عدم انتخاب مجلس جديد، ما يعني الفراغ على مستوى السلطة التشريعية.
وعليه لا يبقى من أركان السلطة سوى رئاسة الجمهورية والحكومة.
ومعروف أن الرئيس عون وحلفاءه يملكون تمثيلاً وازناً في الحكومة التي تصبح هي السلطة المعنية بإصدار قانون انتخاب بمرسوم لإجراء الانتخابات على أساسه بعد أن عجزت الكتل النيابية في البرلمان المنتهية ولايته عن التوصل إلى اتفاق وإقرار قانون جديد.
وهذا يعني أن موازين القوى في الحكومة تسمح لرئيس الجمهورية وحلفائه بإصدار قانون أكثر عدلاً، وإذا ما واجه معارضة من بقية الوزراء المعارضين له، فإن رئيس الجمهورية بإمكانه دفع وزرائه ووزراء التيار الوطني الحر إلى الانسحاب من الحكومة وجعلها مستقيلة ومن ثم العمل على تكليف رئيس جديد لتشكيل حكومة جديدة يضمن عبرها إصدار قانون جديد من دون معارضة.
هذا السيناريو هو ما يقلق أركان الطبقة السياسية، ويجعلهم يبذلون الجهود والبحث عن صيغ جديدة لقانون جديد، وهو ما دفع النائب وليد جنبلاط إلى تليين موقفه والقبول بإدخال النسبية في قانون الانتخابات.
ولهذا فإن رئيس الجمهورية يضغط بقوة من خلال إظهار جديته في مسألة رفض إجراء الانتخابات إلاّ وفق قانون عادل، ويدفع المعترضين إلى عدم التلكؤ والمماطلة والتسويف ومواصلة المراهنة على إضاعة الوقت لفرض إجراء الانتخابات على أساس قانون الستين، أو فرض التمديد، كما يضع رئيس الجمهورية أركان هذه الطبقة أمام خيار من اثنين:
الأول: إما الاتفاق على قانون جديد عادل يعتمد التمثيل النسبي.
الثاني: أو مواجهة خيار الفراغ في المجلس النيابي وبالتالي فرض قانون الانتخاب في ظل موازين قوى جديدة أكثر اختلالاً لمصلحة رئيس الجمهورية والمطالبين بالنظام النسبي الكامل.
هذا الصراع المحتدم على قانون الانتخاب، وتمسك الرئيس ميشال عون بموقفه الحاسم بإقرار قانون جديد يحقق العدالة في التمثيل لجميع اللبنانيين، يؤكد أن الأزمة التي يرزح تحت وطأتها لبنان، منذ عام 2005، لا يمكن الخروج منها إلاّ بإصلاح في النظام اللبناني، يتجاوز ما حصل من إصلاحات على اثر تفجر أزمة عام 1958، عندما جاء الرئيس فؤاد شهاب وأجرى إصلاحات إدارية، كما يتجاوز ما تم الاتفاق عليه في اتفاق الطائف من إصلاحات جرى لاحقاً الالتفاف عليها والحيلولة دون تطبيقها.
والإصلاح المطلوب اليوم في النظام اللبناني، الذي يعيد إنتاج سلطة تعبر عن تطلعات اللبنانيين بالتغيير، بات مدخله الإلزامي تغيير قانون الانتخاب لصالح اعتماد قانون جديد يساوي بين جميع اللبنانيين ويؤمن الاستقرار السياسي وتداول السلطة، وينتج حياة برلمانية ديمقراطية، فيها موالاة ومعارضة، تقوم على الرقابة والمحاسبة لعمل الحكومة ومكافحة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة.

حسين عطوي