كتاب وأراء

أميركا وإسرائيل عـودة إلـى مـربـع الصـفــر




قبل أن يتولى دونالد ترامب مهام منصبه بنحو شهر، قدم دينس روس الدبلوماسي الأميركي المحنك عدة نصائح للرئيس الأميركي الجديد حتى يحقق ما فشل فيه أسلافه بالنسبة لعملية السلام في الشرق الأوسط. وفي المؤتمر الصحفي مع بنيامين نيتانياهو رئيس وزراء إسرائيل، بدا ترامب وكأنه أخذ بالقليل جدا منها وأهمل الكثير، بما حمل رسالة لكل المعنيين بالقضية عنوانها العودة بعملية السلام إلى المربع صفر.
كان روس قد أجمل نصائحه في ضرورة التمسك بالدبلوماسية حتى لو حققت نجاحا جزئيا، وتوخي السرية لعمل ما هو ممكن وتجنب الإقدام على طرح مبادرات علنية قبل التأكد من إمكانية نجاحها، وإزالة الشكوك المتبادلة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وتوفير حوافز مشجعة للجانب الفلسطيني، وتوسيع نطاق المفاوضات لتشمل العرب وليس التركيز على المسار الثنائي، وكسب الثقة والمصداقية في الولايات المتحدة، وطرح مقاربات جديدة للتوفيق بين الأمن الإسرائيلي والسيادة الفلسطينية.
ومن العناوين التي التقطها ترامب من نصائح روس إشارته في المؤتمر الصحفي إلى أن إدارته تشجع على إحلال السلام والتوصل إلى اتفاقية سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأنه في هذا الإطار يتعين على الطرفين تقديم تنازلات. ومنها إشارة ترامب إلى أهمية وقف الاستيطان ولو لفترة وجيزة!. وكذلك عدم الكشف عن مبادرات علنية قبل التأكد من إمكانية نجاحها، وهو ما لم يلتزم به ترامب عندما قال: «نسعى إلى مبادرة سلام جديدة ستتضمن الكثير من الدول العربية.. وتتضمن منطقة أكبر من الأرض!».
ومع ذلك هناك حقيقة واضحة تتناقض تماما مع نصائح الدبلوماسي المحنك، وهي أن روس بنى نصائحه من منطلق الاستمرارية والتواصل في أداء الإدارات الأميركية. ولكن المفاجأة الصادمة هي ذلك القطع من جانب ترامب مع جهود من سبقوه من الرؤساء الأميركيين في هذه القضية، والرؤية الملتبسة لها التي لا تكشف سوى عن التطابق مع الرؤية اليمينية الإسرائيلية المتطرفة.
ليس سرا أن هناك كراهية شديدة متبادلة بين ترامب و أوباما والشواهد على ذلك معروفة سواء خلال الحملة الانتخابية أوبعدها. ولكن ما لم يكن في الحسبان أن يقدم ترامب على مسح كل سطر في السجل السياسي لكل من سبقوه تقريبا في هذه القضية بالتحديد ويقرر البدء من جديد فيها مع أنه لم تكن هناك خلافات كبيرة في الرؤى بشأنها من جانب الإدارات الأميركية المختلفة.
وعندما يتحدث ترامب عما يفهم منه أن حل الدولتين ليس بالضرورة هو الحل المناسب لإحلال السلام في الشرق الأوسط مع إمكانية وجود حلول أخرى أو دولة واحدة، فإنه لا يضرب فقط عرض الحائط بكل الجهود الدولية التي مرت بها عملية السلام منذ مؤتمر مدريد 1992، ولا بالجهود الأميركية ذاتها، وإنما يعلن تبنيه المطلق للموقف الإسرائيلي الذي يتزعمه اليمين المتطرف. وما عزز من الاقتناع بأن الرجل يريد أن يطوى صفحة حل الدولتين مطالبته الفلسطينيين بالاعتراف بيهودية دولة إسرائيل كشرط للتوصل إلى السلام، وكذلك تقليله من خطورة الاستيطان. المشكلة هنا أن الاعتراف الفلسطيني بيهودية دولة إسرائيل يسقط كلية حقهم في أرض فلسطين بكل ما يترتب على ذلك من حدود ودولة وسيادة وعودة للاجئين. وأما الإشارة إلى بدائل لحل الدولتين فهو يعنى العودة للأفكار الإسرائيلية التي تكررت كثيرا تحت عنوان الوطن البديل وأبرزها مشروع غزة الكبرى الذي يقضي بتوسيع مساحة غزة بتبادل أراضى بين مصر وإسرائيل وإقامة دولة هناك للفلسطينيين والتخلي عن الضفة الغربية.
القمة العربية مطالبة بتحديد موقف صريح من هذا الموقف الأميركي الذي يتناقض أساسا مع ما استقر عربيا في مسألة السلام مع إسرائيل والمحددة عناصره في المبادرة العربية للسلام، تلك العناصر التي لا تتفق بأي حال مع هذا الموقف. المهمة ليست سهلة لأن القمة ذاتها مأزومة مسبقا تحت وطأة الانقسام والتشتت في المشهد العربي المعاصر.

عبدالعاطي محمد