كتاب وأراء

الثروة الحقيقية

مثلما تحتاج الأزهار إلى الماء وضوء الشمس لتنمو وتزدهر، كذلك النفوس، تحتاج إلى فعل الصواب بعيدا عن الرياء واحتمالات الربح والمكسب لتنمو وتزدهر، إن المال يمنحنا مظاهر الأشياء دون جوهرها، إنه يمنحنا الطعام الشهي دون شهية، والدواء لا الصحة، والمعارف لا الاصدقاء، والخدم لا المخلصين، والمرح لا السعادة كما قال الكاتب المسرحي «أبسن» في حين أن القناعة بما نملك ولو كان قليلا تضعنا في مصاف الأثرياء، القناعة تقود إلى الامانة، وتروي الكتب القديمة حكاية فلاح صيني تجاوز عمره السبعين، عثر أو تعثر ذات يوم أثناء عودته من الحقل بحقيبة ثقيلة مرمية في عرض الطريق، انحنى وفتح الحقيبة، فإذا به يفاجأ بمحتواها، كانت الحقيبة الجلدية الثمينة تحتوي على اوراق مالية لم ير مثلها أبدا حتى في أحلامه، أغلق الفلاح العجوز الحقيبة ووضعها تحت إبطه، وسار بتثاقل يبحث عن أقرب طريق يوصله لمركز الشرطة الذي لم يسبق له دخوله طوال حياته، وهناك سلم الثروة لضابط الشرطة وانصرف في هدوء عائدا إلى بيته بعد ان ترك اسمه وعنوانه، وفي الكوخ الصغير الذي يحتوي على غرفتين، يعيش هو وزوجته في غرفة، وفي الثانية ابنه المتزوج وأطفاله، وعندما حل المساء واجتمع شملهم على العشاء المكون من خبز وملح، قص عليهم حكاية الحقيبة وقال في نهايتها: لم يخطر ببالي للحظة واحدة أن أحتفظ بهذا المال الكثير، كان همي عندما عثرت عليه أن أعيده لصاحبه، ولم يكن أمامي الا أن الجأ إلى الشرطة لتساعدني» واستطاعت الشرطة ان تصل إلى صاحب الحقيبة، وكانت تخص احد البنوك المحلية في المدينة، وسقطت من السيارة التي كانت تحملها مع ست حقائب أخرى تحوي مبالغ كبيرة عندما انفتح الباب الخلفي الذي أهمل الحارس إغلاقه، وفي مساء نفس اليوم كان الفلاح يشاهد التليفزيون الصغير بالأبيض والأسود مع عائلته حين سمع اسمه يتردد في الاخبار، وظهر مدير البنك على الشاشة في أكثر من محطة تليفزيونية وشكر المواطن الشريف وأشاد بأمانته، ولم تمض دقائق حتى توافد الجيران والاقارب لتهنئة الرجل العجوز على هذه الشهرة المفاجئة، ومرت الأيام وهم يحتفون به، ثم تجرأ احدهم وسأله السؤال الذي يدور في أذهان الجميع منذ انتشرت القصة: «ألم تتلق مكافأة مناسبة عن أمانتك؟ ورد الفلاح وهو يبتسم: بل حصلت عليها وأكثر.. يكفي أنني أعيش اليوم مكرما وسط أسرتي الصغيرة وأصدقائي، إنني فخور بما فعلت، هذه هي ثروتي الحقيقية».

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري