كتاب وأراء

ماذا تعني الإدارة «الترامبية» للصين؟

في الخامس عشر من مايو 2016 كتبنا مقالة لقراء هذه الجريدة بعنوان «لماذا سينخفض معدل النمو الصيني؟» وجاء فيها أننا سنحاول «معرفة الأسباب التي نتوقع معها أن معدلات النمو الصينية لن تعود لسابقتها (18-19 %) ومن ثم يجب التعايش مع المعدلات الحالية (5-7 %) ولفترات مستقبلية ليست قصيرة». وها هي الحكومة الصينية تعلن عن «الوضع الطبيعي الجديد»، وهو أن معدل النمو المستهدف للأعوام الباقية من الخطة الخمسية (2016-2020) هو 6.5 - 7 %.
إذا أضفنا إلى ذلك التباطؤ الاقتصادي أن الصين تمر الآن بمرحلة عدم استقرار سياسي حيث سيتم في خريف هذا العام 2017 ومن خلال المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني (أولا) من سيخلف الرئيس شي جين بينغ في عام 2022؟ (ثانيا) من هم الخمسة أعضاء من اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب (من أصل سبعة) الذين سيتم استبدالهم؟ لذا هناك تخوف من أن هناك مرحلة عدم يقين حالية يمكنها أن تخلق اضطرابات وارتباكات أو انقسامات في الساحة السياسية الصينية. ومن ثم مجابهة الإدارة الأميركية الجديدة تحت قيادة الرئيس ترامب الذي يهدد ويتوعد الصين وتغولها تجاريا واقتصاديا ينذر -كما يتنبأ المحللون - بأسوأ السيناريوهات بشأن احتمالات الحروب التجارية وتعميق التراجع الاقتصادي في الصين.
واحد من العوامل التي يمكن التسليم بها مع تواجد ترامب الآن في البيت الأبيض هو أن السياسات التجارية الحمائية والانكفاء على الداخل كسياسات اقتصادية ستقوم أميركا بإتباعها لابد أن تؤثر سلبا على حرية التجارة أو العولمة كما نعرفها الآن. ومن ثم هذا التراجع يمكن أن يكون مثيرا للقلق الصيني حيث إنها (الصين) أكبر بلد مصدر في العالم من حيث الحجم والقيمة كما أنها المستفيد الأكبر عالميا من العولمة. ولكنى أتوقع بخلاف معظم المحللين أن ترامب بسياساته الحمائية واستعماله للرسوم الجمركية بشكل مكثف بالإضافة إلى إلغائه للقيود التنظيمية على المؤسسات المالية (FINANCIAL DE-REGULATIONS)، سيضر الولايات المتحدة أكثر مما سيضر الصين.
إذا أضفنا إلى ذلك أن خروج الولايات المتحدة من الاتفاقيات والتحالفات العالمية أو إعادة النظر في بنودها (اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي- اتفاقية باريس المناخية- اتفاقية التجارة الحرة لشمال أميركا) ضمن عدد آخر من الاتفاقيات العالمية سيفقدها وضعها كالقطب العالمي الأوحد وسيفقدها ثقة عدد غير قليل من الدول التي تتعامل معها اقتصاديا وسياسيا بمن فيهم حلفاؤها التقليديون في أوروبا والعالم المتقدم. أعتقد أن ذلك سيعطى الفرصة للصين من تثبيت مشروعها العالمي (حزام وطريق الحرير) والذي سيربطها بأهم مناطق التبادل التجاري العالمي ليس فقط في آسيا وإنما في أوروبا وإفريقيا أيضا. وبالتالي سيمكن للصين من أن تسحب السجادة من تحت قدم الدولة الأولى في العالم لنقل الثقل الاقتصادي والسياسي من الغرب إلى الشرق.
هذا ويجب ألا ننسى أن الصين هي أكبر دائن للولايات المتحدة فهي أكبر مشترٍ عالميا للسندات وأذون الخزانة الأميركية. كما أنها بسياستها المالية الحصيفة خلال العقدين الماضين تمكنت من جعل العملة الصينية (اليوان) خامس عملة معترف بها عالميا (بعد الدولار الأميركي واليورو الأوروبي والاسترليني البريطاني والين الياباني) حين دخلت من خلال موافقة صندوق النقد الدولي العام الماضي في سلة العملات العالمية وأصبحت تنافس العملات الأربع الأخرى كما لأوضحنا في مقالات سابقة لقراء هذه الجريدة.
ومن ثم أعتقد أن المجابهة التي ستحدث بين الولايات المتحدة والصين والتي يهدد ويتوعد بها السيد ترامب لن تكون بالضرورة الصين الخاسر الأكبر فيها. المواجهة الحقيقية والأكثر خطورة والتي يجب أن تعد لها الصين هي تحدياتها الداخلية والتي تتمثل في أن الاقتصاد الصيني يمر الآن بمرحلة ما يسمى تناقص الغلة أو تناقص الإنتاجية الحدية للعمل لاستنفاد معظم الفائض العمالي الذي كان متواجدا في القطاع الزراعي. كذلك الشيخوخة التي بدأت تدب في المجتمع الصيني. أضف إلى ذلك وجوب انتقال الاقتصاد الصيني من مرحلة التقليد إلى مرحلة الابتكار ووجوب تغيير نموذج النمو الصيني من الاعتماد على التصدير إلى الاعتماد على الاستهلاك المحلى كمحفز للنمو.
بقلم : د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي