كتاب وأراء

مقتطفات صحفية «38»

ألزمت نفسي في كل ما أكتب بأنني حين أريد الاستشهاد بآية كريمة أو حديث شريف لا أعتمد على الذاكرة، فقد جلَّ من لا يخطئ، والخطأ هنا لا يجوز، ولذلك أعود إلى القرآن الكريم وكتب الحديث لأنقل الآية أو الحديث بنصهما الصحيح، حتى لو كانت الآية من قصار السور، أو كان الحديث مما هو شائع كثيراً.
أورد أحد الكتاب وهو سياسي لبناني يزين اسمه بلقب «دكتور» قول الـلـه سبحانه وتعالى في الآية 22 من سورة الغاشية «لست عليهم بمسيطر» لكن الدكتور أخطأ في الاعتماد على ذاكرته، فكتب «بمصيطر» والسبب أن الحروف يتأثر نطق بعضها ببعض مجاور لها، تعرفون مثلاً أننا قد نجد صعوبة في التمييز بين «السوط» و«الصوت» إلا إذا حرص المتكلم على إظهار السين في الكلمة الأولى. وهكذا كتب الآية كما يحفظها بنطق غير صحيح.
يستسهل بعض الكتاب اختراع كلمات يظنونها تعبر عما يريدون، أو أن يلجؤوا إلى العامية دون الإشارة إلى عاميتها. أحد الكتاب قال في عنوان مقالته «المستغطي» أي من يطلب الغطاء، وهذه ليست صحيحة ولا من العامية، فالعامة تقول «المتغطي» وليس في الجذر «غطي» واشتقاقاته ما يسمح بأن نقول «المستغطي» ونحن نقصد «المتغطي».
قلت كثيراً إنني أعتب على الكبار لأنهم قدوة. قال أحدهم «من عطوبة هذا العالم» حسناً، فهمنا أنه عالم أصابه العطب ولكن! هل الكلمة صحيحة؟ عندما نقول العطب فإننا نعني الخلل القابل للإصلاح، لكنه في الأصل يعني الهلاك، فإذا أصاب العطب دابة فإن هذا يعني أنها هلكت، أو أنها لم تعد قادرة على السير فتنحر. ومن الطريف أن البدو والريفيين يقولون «العُطبة» وهي القطنة فيها نار، وهذا فصيح، والعُـطـُب والعطـْب: القطن، والواحدة عُطبة.
نبهت كثيراً إلى الأخطاء في باب «النسبة» وهي باختصار شديد وصف الشيء عن طريق نسبته إلى شيء آخر، كأن تقول: دمشقي وقطري وعراقي وتونسي وهكذا. وتكون النسبة بإلحاق ياء مشددة بآخر الاسم. وللنسبة قواعد شتى لا يتسع المجال لها، لكننا نركز على أمر واحد هو أن النسبة تكون دائماً إلى المفرد، ولذا فإن من الخطأ ما نسمعه من بعض الناس حين يقولون «المطار الدُولي» فقد نسبوا إلى الجمع، والصحيح «الدَوْلي» نسبة إلى الدَولة. ومن الأخطاء الشائعة القول «صُحفي» وبعضهم يقول «صحفي» وكلاهما خطأ، والصحيح «صَحَفي» نسبة إلى صحيفة، كما نقول «مدَني» نسبة إلى مدينة.
دعوت كثيراً إلى الابتعاد عن الكلمات المغرقة في معجميتها ولا يكاد أحد يستعملها، فما بالك بقراء الصحف وهم ما يمثل العامة، حين نقول «التقعر بين العامة كاللحن بين الخاصة». واللغة مليئة بالمترادفات، ومن السهل على الكاتب اختيار المفردة التي يفهمها سواد الناس الأعظم. قرأت في مقال لأحدهم «نجحت في دحض الاتهامات المفتئتة على حياديتها» وليس هذا خطأ ولكنه تقعر، بل إن قراءة الكلمة تبدو صعبة، فما معناها؟
افتأت فلان على فلان افتئاتاً فهم مُفتئِت، وذلك إذا قال عليه الباطل، وقيل إذا اختلق الكلام ونسبه إلى الآخر، وثمة معنى آخر بعيد عن هذا وعما أراده الكاتب، فهل كان من الصعب على الكاتب أن يقول»في دحض الاتهامات التي تتهمها زوراً بعدم الحيادية»؟ وحتى كلمة «دحض» قد تبدو غير مناسبة لمقال سياسي، وكان الأفضل للكاتب أن يكتب «في تكذيب الاتهامات»
إذا لم يكن الكاتب متمكناً من لغته العربية فإنه يأتي بالمضحكات. قالت إحدى الكاتبات المشهورات «ولكن الأم نظرت إلى شذراً» والحقيقة أن كلمة «شذر» ترد كثيراً في الكتابات العربية قديماً وحديثاً، فما معناها؟
الشذْر: قطع من الذهب يلقط من غير إذابة الحجارة، أي يوجد في الطبيعة صافياً، وليس تبراً جرى استخلاص الذهب منه، وقيل: الشذر صغار اللؤلؤ، أو ما يصاغ من الذهب للفصل بين اللؤلؤ والجوهر. وتشذّر القوم: تفرقوا، وذهبوا شذَر مّذَر، أي ذهبوا في كل اتجاه.
أما ما عنته الكاتبة ولم توفق في اختيار الكلمة فهو «نظرت إلى شزْراً» ونظر شزر: نظر فيه إعراض كنظر المعادي المبغض.
كتبت مرة عن زميل لي في المكتب عندما كنت موظفاً قال: حتى خلت من دارنا النار (من مسرحية مجنون ليلى) والمؤسف أنه كان يدرس الأدب العربي في الجامعة العربية في بيروت، وصححت له قائلاً: لقد عكست الآية، فالتي خلت هي الدار، ألسنا نقول: خلت الدار من سكانها؟
تذكرت هذا قبل أيام حين قرأت عنواناً في الصحيفة «دعا لتجريد الجنسية منهم» وهذا خطأ تركيبي فظيع، لأننا نقول: جرَّده من ملابسه، ولا نقول: جرد ملابسه عنه أو منه، والأصل: جرَد الشيء أي قشره، وجرد الجلد: نزع عنه الشعر، ورجل أجرد: لا شعر عليه، ومكان أجرد: لا نبات فيه، ألسنا نقول أرض جرداء؟ وسماء جرداء: ليس فيها غيم. وجرَّد مثل جرَد، والتجريد: التعرية من الثياب. بعد هذا كله وثمة كثير غيره، هل نقول: جرده من ملابسه؟ أم نقول: جرد ملابسه؟
يخطئ معظم السوريين في قراءة الكلمات المنتهية بتاء مربوطة «ة» مثل: الحياة، الجُناة، العصاة، فيقرؤونها كأنها تاء مبسوطة فتصير: الحيَات، الجُنات، العُصات.
وحكم هذه التاء كما يعرف تلاميذ الإبتدائي أنها تصير «هاءً» عند الوقف عليها. وأخطأ كاتب نجم تليفزيوني خطأ معاكساً فقال إن إسرائيل تحاول منذ سنوات طويلة استعادة «رفاة» الجاسوس الأشهر إيلي كوهين الذي أعدمته سورية في منتصف ستينات القرن الماضي، وفات الكاتب أن الكلمة «رفات» ورفت الشيء حطمه وكسره ودقّه فهو رفات وهو الحُطام من كل شيء تكسَّر. ورُفت الشيءُ فهو مرفوت، ونتذكر أن الإخوة المصريين يستعملون هذه الكلمة بدلاً من «مرفوض» تسمع المدير بقول للموظف: إنت مرفوت، حتى إنهم اشتقوا منها فعلاً: رفتـُّه، ورفتـَه ورفتوني، فهل هو ترقيق للضاد فصارت تاء؟ أم هم عنوا المعنى الأصلي فكأن من يطرد من عمله كُسر وتحطم حتى صار رفاتاً؟
يذكرني هذا بأن السوريين يقولون «عم يركُد ركْد» وبالطبع يقصدون «يركض».
عبثاً آمل أن يدرك السادة الكتاب أن الضمير المتصل «ـه، ـها، ـهم، ـهن، ـهما» يجب أن يعود على اسم سبقه، واقرؤوا القرآن الكريم نبع الفصاحة والبلاغة، ولا نستثني من هذا سوى قولنا «وقال تعالى» أو أي تعبير آخر، لأننا نعرف أنه يعود على لفظ الجلالة المحذوف، وكذلك «وقال صلى الله عليه وسلم» لأننا ندرك أن المعني هو النبي محمد، وهل تجوز الصلاة والسلام إلا عليه؟ لكننا لا نقرأ في التراث العربي كله مثل هذه العبارة «وفي قصيدته الرائعة قال الشاعر» أما في المقالات التي تنشر هذه الأيام فما أكثر ما يمر بنا هذا حتى عندما يكون الكاتب من كبار الكتاب ومخضرميهم.

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين