كتاب وأراء

يسخر من يخسر ويخسر من يسخر السياسة في مناطق ترفض التعايش

ما من فرد أو جماعة أو حتى وطن إلا وتعرض للخسارة أو للسخرية أو للاثنتين معاً. الخسارة من حتميات الطبيعة ولا مفر منها أحياناً. والسخرية طريقة يهزأ بها الإنسان أحياناً من نفسه أو من الآخرين. والعلاقة بين الخسارة والسخرية مركبة. من جانب لا تقع خسارة إلا وتتبعها عادةً سخرية إما من الذات عندما تخسر أو من الآخرين وهم يتجرعون الهوان.
ومن جانب آخر، كثيراً ما يؤدي الإكثار في السخرية إلى خسائر جديدة سواء لمن سبق وخسر عندما تزيده السخرية الذاتية إحباطاً، أو لمن تسرع فسخر عندما يفاجأ وقد ركن إلى انتصاره بما لم يكن يتوقعه.
الخسارة تقود عادةً إلى السخرية من الخاسر. فقد سخرت إسرائيل من العرب بعد حرب 1967. وهو نفس ما فعلته أميركا مع اليابانيين عقب الحرب العالمية الثانية. كذلك سخر اليابانيون من الكوريين عندما كان للأوائل دور استعماري في آسيا، وهو ما كرره الروس مع الأوكرانيين بعد إعادة احتلال القرم. السخرية ممارسة جربتها كل الأمم التي خاضت حروباً مسلحة أو منافسات اقتصادية بل وحتى مباريات رياضية. فخسارة طرف تفتح شهية الطرف المنتصر إلى إطلاق تعليقات لاذعة تكوي بالنار كرامة الخاسر. لكن الخسارة قد تدفع بالخاسر كذلك إلى السخرية من نفسه إما تأنيباً يعاقبها أو تحميساً يلهبها. وقد سخر العرب من هزائمهم كثيراً تأنيباً وإحباطاً. أما اليابانيون فسخروا من خسائرهم لكن تأجيجاً واستنهاضاً. سخرية العرب كانت تقريعاً وجلداً للذات، أما سخرية اليابانيين فكانت توجيهاً وتحسيناً للذات.
لكن السخرية، سواء من الذات أو من الغير، يمكن أن تقود متى زادت، إلى خسائر فادحة. فإسراف الجنس الأبيض في الاستهزاء بالعبيد وبالشعوب التي استعمرها في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية تحول بمرور الزمن إلى خسارة عندما التصقت صفة العنصرية أكثر بذلك الجنس وعندما جرت مطالبة دول تباهت كثيراً بالمهمة الحضارية للرجل الأبيض بتقديم اعتذارات وتعويضات.
وعن المشهد العربي تحديداً، فالواضح أن الس خرية والخسارة فيه تمتزجان وتغذيان بعضهما بعضا بقوة واستمرار. فمن يخسر يتعرض لسخرية تصل أحياناً إلى إهانات تُرسّب ضغائن تحول دون إعادة بناء الثقة. الإخوان المسلمون مثلاً سخروا من القوى السياسية التي استأمنت مشاركتهم في ثورة الخامس والعشرين من يناير. وضح ذلك لما همشوا تلك القوى وسعوا للانفراد بالأمر. فكان أن انقلبت سخريتهم من الغير إلى خسارة لهم. ثم دارت الدوائر من جديد على من سخروا من خسارة الإخوان لينتهوا بدورهم وقد همشوا أو سجنوا أو أبعدوا بعد أن تقدمت محاربة الإرهاب على الاهتمام بالإصلاح الديمقراطي.
والصورة لا تكذب داخل كثير من البلدان العربية. فقد سخر كثيرون من أنظمة العنف فيها. ثم خسروا. ظنوا أنها سقطت إلى الأبد فقالوا فيها ما في الخمر. ثم ثبت أن تلك النظم احتفظت بقوتها غاطسة في الأعماق إلى أن مرت سحابة الربيع العربي فنهضت ورجعت لسابق عاداتها ما جعل الساخرين يدفعون ثمن سخريتهم. لكن من ربحوا معركة السيطرة على السلطة خسروا معركة الشرعية حيث بدأت الأصوات تعلو من جديد بالسخرية من ممارسات وتصرفات يئن من وطأتها المجتمع.
ولا تختلف الصورة في حالة العلاقات بين البلدان العربية. فأكثرها يسخر من بعضه وتخسر لذلك كلها. ومع هذا تجدها تواصل السخرية. وقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي فرصاً واسعة لممارسة ألوان بشعة من السخرية في حق مواطنين وأوطان عربية، في مشهد سوداوي مروع تتفاقم فيه أزمة المصداقية بين الجميع. ولا يقل دور أجهزة الإعلام الرسمية وشبه الرسمية سوءاً. فقد جعل بعضها من السخرية سلاحاً رئيسياً دون أي اعتبار لحجم الخسائر والمشكلات التي تتسبب فيها.
إن السخرية السياسية جزء من ميل الإنسان الطبيعي إلى السخرية، كما أن لها أحياناً فوائد. إلا أن لها أيضاً أضراراً هائلة كما يترتب عليها خسائر فادحة بالذات في المناطق التي لا يقبل أو لا يعرف أهلها كيف يتعايشون معاً. ومنطقتنا من بينها. فالتعايش فيها تعتريه مشكلات عميقة لا تجعله شاملاً أو راسخاً، فضلاً عن أنه في كثير من الحالات تعايش للضرورة وليس عن اقتناع. ولهذا فإن كل ما ينشر أو يذاع من سخرية سياسية في منطقتنا لا يعد مؤشراً على سعة الصدر وتقبل النقد وإنما علامة على غضب مكبوت وجولات جديدة من الخصومة التي عادةً ما تنتهي بخسارة من سخر ومن جرت السخرية منه على السواء.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات