كتاب وأراء

مقاعد التضحية

عاش في بلاد الهند «بلاد -الأساطير والحضارات- «سقاء» مهمته نقل الماء يوميا من النهر إلى منزل سيده «المهراجا» بواسطة قدرين، تصل بينهما عصا قوية يحملها بين كتفيه، وكان هناك صدع بإحدى القدرين، فيما كانت الأخرى سليمة، وكانت القدر السليمة تتباهى دائما بقدرتها على إيصال حمولتها من الماء كاملة، بينما تصل القدر المتصدعة إلى منزل السيد ونصفها خاو على الدوام، ودامت هذه الحالة عامين كاملين، ففي كل يوم كان السقاء ينقل قدرا مملوءة بالمياه، وأخرى خاوية حتى نصفها، وكلما زاد تباهي القدر السليمة بنفسها زادت أحزان الأخرى المتصدعة، وزاد شعورها بالخزي والتعاسة لعدم قدرتها على إنجاز نصف ما صنعت من أجله.. وفي يوم قالت للسقاء بمرارة وهو مشغول بتعبئة المياه: «إنني أشعر بشدة الخجل من نفسي، وأريد الاعتذار إليك» فسألها السقاء: «ولكن لماذا»؟ تنهدت القدر المنكوبة وقالت: «لأن المياه تتسرب مني طوال العامين الماضيين، ولا أوصل إلا نصف حمولتي، وأنت تقوم بعملك ولا تتذمر، تحملني من النهر البعيد إلى منزل سيدك كل يوم، ولكنك بسبب عيبي لا تحصل على الثمن كاملا نظير تعبك». «فقال السقاء بلطف للقدر التعيسة «عندما نذهب إلى القصر اليوم، أرجوك لاحظي الزهور الجميلة المنتشرة على طول الطريق»، وعندما سار الثلاثة في الطريق لاحظت القدر القديمة المتصدعة الأزهار الخلابة تتلألأ تحت أشعة الشمس الذهبية، لكنها لم تهتم.. ولم تتبدد مشاعر القنوط المستولية عليها، وعادت تعتذر مرة أخرى عن تقصيرها عن أداء عملها، وهنا صاح فيها السقاء مؤنبا: «عن ماذا تعتذرين؟ ألم تلاحظي أن الزهور منتشرة فقط من الجانب الذي تسيرين فيه كل يوم! لقد كنت دائما على علم بعيبك، ومن ثم قمت بنثر البذور في الجهة التي أضعك فيها، وأثناء سيرنا كل يوم في طريق العودة، كنت تقومين بريها، وفي كل يوم كنت أقطف بعض هذه الأزهار وأزين بها مائدة السيد، وكان يسر بها أيما سرور.. لذا توقفي عن الشعور بأنك عديمة النفع».
الكثير من البشر يشبهون هذه القدر، والقليل منهم يشبهون صاحب القدر.. إن قوتنا تنمو من ضعفنا كما قال الفيلسوف «إيمرسون» لذا توقف عن استعمال العبارات التي تكون بمثابة دعوة للآخرين لكي يغبنوك ويهضموا حقك مثل «لافائدة مني»و «أنا أنسان بسيط وعادي» أو «لست بارعا بما فيه الكفاية» أو «معلوماتي محدودة» أو «لا أفهم الكثير» أو «أين أذهب ولا أحد لي غيرك» هذه العبارات بمثابة رخصة للآخرين (أزواج أو مرؤوسين أو أصدقاء» ليستغلوك، ليستخفوا ويستهينوا بك. هذه الجمل لا تساعد ولا علاقة لها بالصراحة، ولا يوجد في غالب الأحيان من يقدر تلك الصراحة، الجلوس في مقعد التضحية ليس مريحا على الإطلاق.. والشكوى لن تغير شيئا.. إن لم تغير نفسك، وتثق بنفسك، وبقدراتك مهما كانت ضئيلة فلن يتغير شيء.. فلم يعد في العالم الكثير من السقائين.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري