كتاب وأراء

من أشكال الهوية المأزومة

لو يعلم من يدفع بمجتمعاتنا إلى هاوية الرؤية الضيقة والبؤرة المحرقية التي تقضي على غيرها ثم تتآكل هي ذاتها من الداخل لأدرك أن الجهل عامل أساسي وهام لتعايش المجتمعات، لو أدرك خطيب المسجد وهو يلقي خطبته أن الخطاب النسبي الذي يأخذ بالنص في ظل الظروف التي يعيشها الناس هو الخطاب الإسلامي الذي يتحقق ويتماشى مع العصر وأن التفسير الكامل للقرآن لم يتحقق بعد ولن يتحقق إلا مع انطواء كتاب الحياة وطيه تماما، لما عشنا هذا التمزق الإسلامي الهوياتي المتشرذم، كم أخرجت مساجدنا قنابل متفجرة وألغاما قابلة للانفجار. الدفع بالهوية الدينية كمحدد وحيد، قتل مؤجل، الدفع بالمصطلح الهوياتي الديني مقدما على أوجه الهوية الأخرى انتحار منتظر.. في زمن «الفتن» وهو مصطلح ديني ينتج مفاهيم دينية والحقيقة أن هذا الزمن ليس زمن فتنة وإنما زمن «مصالح سياسية واقتصادية» تعيش على استهلاك مخزون الدول والحضارات الأخرى من بنى دينية واجتماعية متخلفة.. ولي هنا بعض الملاحظات.
أولا: الدين ليس هدفا في حد ذاته وإنما هو وسيلة لإرشاد الناس وإسعادهم في هذه الحياة فالهدف إذن هو الإنسان.
ثانيا: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» الهدف الأساسي في الدنيا هو عبادة الله، لذلك جاء الرسل والأنبياء لهداية البشر إلى طريق هذه العبادة ولكن الإنسان كائن تاريخي يعيش ضمن التاريخ وضمن البيئة التي تورث الدين ذاته، معظم معتنقي الأديان اعتنقوها وراثة، والاختلاف ميزة وضعها الله في الكون للتعايش، لذلك الأساس لكل الأديان والهدف هو التعايش وليس الاقتتال بين كل عقيدة على أنها الأحق بالعبادة، لأن الجميع سينظر على أن عقيدته هي التي كذلك دون غيرها.
ثالثا: التطرف الديني في المجتمعات الصناعية ناتج عن غربة الإنسان وتهميشه أمام الآلة ورأس المال، هناك يوتوبيا عدمية بينما اليوتوبيا عندنا كمسلمين أو متدينين يوتوبيا «قيامية» لذلك هي عندنا جماعية وأشد تجذرا وهذه مشكلة لا يمكن مواجهتها إلا بتغير جذري في فكر المجتمعات ومنعطفات تاريخية كالتي شهدتها المسيحية مثلا «خاصة فيما يتعلق بالفهم المتشدد منه كالشيعية المتزمتة أو الأصولية السنية المتشددة»، يرسب ويطور هذه الحالة سلبيا مستوى التخلف الذي تعايشه مجتمعاتنا وسوء إدراكها لمفهوم الثروة كعامل أساسي للاستقرار بدلا من كونه عاملا أو محددا للسيطرة فتتخلق نفسية تنتظر المستقبل للانتقام وليس للبناء وليس أدل على ذلك من مشاكل دول الربيع العربي التي تعاني منها اليوم، سقط المستبد ولكن تجلت نفسية التشفي والانتقام.
رابعا: تدوير التاريخ وليس تجاوزه عندما اقتنع المأمون بفكر المعتزلة حمل القوم على ذلك، اليوم هناك من يريد الإخوان وفكرهم وهناك من يريد غيرهم وهناك من يحبذ الأصوليين وسلطتهم. لم تستطع أمتنا حتى اليوم تطوير فكر حياتي تنموي لأنها جعلت من الدين هدفا أساسيا، بمعنى نريده لأنه متدين وليس لأنه كفؤا للمهمة بعيدا عن عقيدته أو دينه طالما أنه كفؤ وملتزم بالقانون. ويسقط الكفؤ في الانتخابات لأنه لم يعرف عنه أنه يصلي مثلا.
خامسا: السلطة في عالمنا العربي تحتاج إلى الدين إن لم يكن أصلا فرداء «وجلابية» والدفع الذي نراه اليوم بالهوية الدينية إلى الأمام لن يحمي السلطة بقدر ما قد ينقلب عليها لاحقا والشواهد كثيرة قديما وحديثا لأن الفهم الديني انشطاري ومتحرك وله ألوان قوس قزح.
سادسا: المفروض التخفيف من وهج يوتوبيا العصر الأول وقدسية أصحابه وتدريس التاريخ للأجيال بشكل أقل قدسية ونقاء تدريسه واقعا بشريا وتخليصه من «المدهش» بقدر الإمكان إن كان هناك أمل يرجى لجيل جديد ينتظم قدما ولا ينكص على عقبيه خوفا من المجتمع المصاب بتاريخه كمرض أو متلازمة أمراض وقواه الضاغطة.
سابعا: يتحول النسق السياسي إلى نسق ديني لهذا الترابط والاستغلال، فيتحول الحاكم من رجل سياسة إلى أشبه بالفقيه الديني أو خطيب المسجد ذي الأتباع والمريدين، لذلك يقضى على كل إمكانيه للتحول الديمقراطي الذي يرى في السياسة وسيلة تغيير وليس وسيلة تأبيد. لذلك رأينا صداما بين خطيب المسجد المؤثر ورئيس الدولة أو حاكمها، لأنهما يتصارعان في نفس المجال، فينتهي عادة بتطويع الدين لصالح السياسة وأحيانا أخرى بانشقاق الدين إلى مع وضد السلطة.

بقلم : عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر