كتاب وأراء

عاشق المستحيلات في قمة الحكومات بدبي

استضافت القمة العالمية للحكومات التي انعقدت مؤخرا بدبي، وكان لي شرف المشاركة فيها ضمن 4000 شخص من 139 بلدا، الملياردير الكندي-الأميركي «إيلون ماسك» الذي يحظى بألقاب كثيرة مثل «عاشق المستحيلات» و«الرجل الحديدي»، و«مجنون الاختراع والابتكار» و«المهووس بالفضاء وكائناته».
الكثيرون سمعوا باسم هذا العبقري، الذي يذكرنا بنوابغ الغرب القدامى الذين وقفوا وراء مخترعات أو نظريات ساهمت في إسعاد البشرية من أمثال أينشتاين، وفورد والأخوين رايت، وأديسون، وماركوني، وكاريير. لكن هناك من لم يسمع به ولا يعرف أنه مهندس ومخترع ورجل أعمال، درس الفيزياء والاقتصاد وإدارة الأعمال في كندا والولايات المتحدة، وكان على وشك مواصلة دراسته في جامعة ستانفورد العريقة لنيل درجة الدكتوراه لكنه آثر أن يحقق طموحاته من خلال العمل في عوالم الانترنت والفضاء الخارجي والطاقة المتجددة، ليصبح خلال سنوات قليلة- بفضل طموحه وعبقريته وعدم اعترافه بالمستحيلات- مؤسسا ومديرا تنفيذيا لعدد من الشركات المعروفة على مستوى العالم (مثل شركة «باي بال» التي أوجدت خدمات الدفع عبر الانترنت وخدمة التبادل النقدي، وشركة «سبيس إك» التي تقوم بتصنيع المركبات الفضائية وصواريخ الفضاء وتتعاون مع وكالة ناسا لتقديم الخدمات المختلفة لمحطة الفضاء الدولية، وشركة «تسلا موتورز» المنتجة للمركبات الكهربائية.
وماسك هو أيضا مبتكر بعض الأنظمة والتكنولوجيات الحديثة مثل نظام النقل العالي السرعة المعروف باسم «هايبيرلوب»، وهو نظام لنقل الركاب بين مدينتين في فترة زمنية قياسية عبر دفعهم بسرعة عالية في أنابيب الضغط المنخفضة.
ولأن الرجل لايزال يحير العالم بأفكاره الغريبة، ولأن في جعبته الكثير من الأحلام التي تشبه روايات الخيال العلمي، فقد دعاه منظمو القمة العالمية للحكومات لحضور قمة العام الماضي، لكنه اعتذر بحجة أن ليس لديه متسع من الوقت بسبب انشغاله بالصين التي باعت العام الماضي فقط 600 ألف سيارة كهربائية من منتجاته. على أنه وافق هذا العام على الحضور والمشاركة من خلال جلسة حوار مع معالي محمد عبدالله القرقاوي وزير شؤون مجلس الوزراء والمستقبل في حكومة الإمارات.
في هذه الجلسة، أفصح ماسك عن أسلوبه في توظيف من يعملون معه فقال إنه يكتفي بسؤالهم سؤالا واحدا هو: «حدثني عن أصعب مشكلة واجهتها في حياتك وكيف تغلبت عليها؟»، موضحا أن طريقة إجابة المتقدم لشغل الوظيفة على هذا السؤال هي وحدها التي تقرر صلاحيته من عدمها، فإنْ خاض في تفاصيل كثيرة لا داعي لها فهو لا يصلح والعكس صحيح!
كما أفصح الرجل عن بعض ما يشغله في الوقت الحاضر ويحاول إنجازه قبل أن يموت على كوكب آخر غير كوكب الأرض الذي ولد عليه، مثل كوكب المريخ الذي سيكون، طبقا له، متاحا للسفر إليه والإقامة فيه أمام سكان الأرض خلال أقل من قرن واحد. فقال ما مفاده أن أكثر ما يشغله هو إيجاد حل لمشكلة الازدحام المروري في المدن الكبيرة. وفي هذا السياق رأى أن الحل يكمن في بناء أنفاق تحت الأرض بطوابق مكونة من 20 إلى 50 طابقا على نحو ما ينوي القيام به في العاصمة الأميركية، مضيفا أن التحديات المرتبطة بهكذا مشروع تشتمل على السرعة والأمان والنفقات فحسب.
ومن جانب آخر تطرق ماسك إلى ما ينتظر العالم من تطورات تكنولوجية ستغير حياة المجتمعات بشكل جذري، فأشار إلى السيارات ذاتية القيادة والتي صارت أمرا واقعا، لكنها تحتاج إلى نحو عقدين أو أكثر للانتشار والحلول مكان السيارات التقليدية. وقد برر تأخر انتشارها بضرورة إيجاد تشريعات مرورية وتأمينية جديدة، وإعادة تخطيط الطرق والإشارات، وإحداث ثورة توعوية في المفاهيم السائدة حول متعة القيادة. وبطبيعة الحال لم يغب عن الرجل أن يشير إلى أهم أثر سلبي لهذا الاختراع الجديد، ألا وهو تسببه في خلق نسبة بطالة عالية في صفوف سائقي المركبات، الأمر الذي يستوجب إيجاد حلول للمشكلة من الآن.
تحدث ماسك أيضا عن السيارات الكهربائية ومستقبلها في منطقة الخليج فقال إنه بحلول العام 2018 سيتمكن المقيمون بدول مجلس التعاون من التنقل بمركبات كهربائية.

بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني