كتاب وأراء

جينز الجامعة.. قياساتنا الفكرية والشكلية

كنت في بداياتي وكسواي من الكتاب الناشئين أسعى للنشر، لكن لم أوفق.
ولكم عشت حينها مشاعر الإحباط، على أني اليوم وأنا أعيد قراءة ما سطرته مذ عقد من الزمان، أحمد الله أن هذا العمل لم يجد ناشراً له.
الطريف، أن عدداً من زملائي الكتاب لهم تجارب مماثلة تكشف عن عدم رضاهم عما سطروا في البدايات.
أتراه نكران نسب لما أنجبته قرائحنا من بنات أفكار؟ أم لربما نندهش مما سطرته أقلامنا من فكر لم يعد يشبهنا ومن ركاكة أسلوب وضعف بيان أو تدنٍ لغوي!
هل تبلى الأفكار وتتغير كما الصرعات أم أننا نرى الصورة أوضح كلما نأينا عنها فاصلة، فتنجلي المعاني بشكل أكبر، تماماً كما الصور كلما بعدنا عن المرآة قليلاً تتضح ملامحنا، فنستطيع تعديل أي خطأ في مظهرنا؟.
كذلك، يتضح سطحية ما كتبنا بعد فترة، فنحمد الله أن ستر قبيح كتاباتنا ومنحنا مهلة التعديل لإظهار المليح ولكم يهالنا أحيانا أنه صدر عنا هذا القول أو كيف كتبنا هذا السطر سيما بعيد أن ينضج الإنسان، عنه في مقتبل العمر!
فأحياناً نشاهد صورنا صغاراً فنستاء من هيئتنا ونقول:
«ما هذا الذي ارتديته؟ لقد كنت غير موفق في اختيار هذا النمط من الثياب».
كيف تركتني عائلتي أبدو بهذا المظهر؟!
وفي المقابل، نحمد الله انه منع صدور كتابات بداية العهد حتى نتبلور في أتم صورة فكرية ولغوية.
فحين أعيد قراءة ما سطرت مذ سنوات، يهالني كم من ضيق الأفق كان قد حاصرني بحيث أعتب على نفسي لقصوري في قبول الآـخر. كما ألحظ أن رؤيتي وتصوراتي كانت مقتبسة من الغير دون تبيان، مع إصدار أحكام مرسلة لا تستند لسند شرعي لمجرد الرغبة في إقصاء الآخر مع إيجاد ذريعة لهذا الإقصاء!
أما الآن، فأحسب أني لست قادرة على قبول الآخر فحسب، بل تخطيت هذه المرحلة لأصل لمرحلة الإعجاب بالآخر والانبهار به لو صدر ما يستدعى هذا الانبهار، حتى وصلت لمرحلة الاستفادة من الآخر في بعض الجوانب.
فبعيد تفكير بسيط، أجد أن «مدام كوليت» مدرستي وسواها من أساتذتي من ديانات أخرى لم يتقصوا يوماً عن ملتي شريطة التعليم كما لم يقوموا بتعليم المسيحيات بشكل أفضل من المسلمات، حاشاهم.
كذلك حينما قامت زميلتي فريدة- مسيحية- بتوصيلي لسنوات للمدرسة وحينما تحملتني بحقيبتي الثقيلة في عربتها ذهاباً وإياباً، وحينما رحب بي أهلها، لم ينظروا للموضوع الديني، بل وحينما أبلغتهم والدتي أنها ستتدبر أمري، اتصلت والدة فريدة وأصرت على مصاحبتي لبناتها، وشددت على ذلك، ويا له من تشديد رحيم غرس لدي نبتة المحبة.
كذلك حينما هاجم والدتي ورم بالمخ، فسافرت للعلاج بلندن، لم يشترط الجراح اليهودي تهود والدتي لعلاجها! كما أننا كنا سنوافق عليه كمعالج حتى لو كان هندوسياً!
أحمد الله أن رزقني بصيرة أعمق جعلتني لا أتنصل فقط من أفكار رثة أجدها أقل من هراء لكني أيضا أغتسل منها واستنجى، وأحمده كونه جعل قياساتنا الفكرية تتغير كما قياساتنا البدنية.
فثمة علاقة عكسية بين قياساتنا الفكرية والشكلية، فكلما ضاق علينا «جينز» الجامعة اتسعت قياسات الفكرية وزاد أفقنا اتساعاً وقلبنا رحابة.
وأحياناً تصلني رسائل من قراء يجلدونني بألسنة حداد ثقال لاختلاف آرائي عن السابق، ولهؤلاء أقول: حاولوا ارتداء «جينز» الجامعة ستجدونه ضاق عليكم، وهكذا ضاقت علىّ أفكار بليت مذ عقود كوني استبدلتها بأثواب فكرية أرحب وأجمل وأشد تأنقاً، أتيه بها لأنها تليق بإنسانيتي.

داليا الحديدي