كتاب وأراء

كيف تتكلم دون أن تقول شيئا !

مسألتان تجعلان الحديث عن هذا الموضوع مبرراً.
الأولى غربية والثانية مغربية.
يتابع كثيرون في مختلف أرجاء العالم «تغريدات» و«تدوينات» بعض القادة والسياسيين في بعض الدول لفهم مواقفهم، لكن في معظم الأحيان تكتب «التغريدات» و«التدوينات» بأسلوب لا يجعل فهمها سهلاً، وأحياناً لا تقول شيئاً.
أما المسألة المغربية فقد سمعتها شخصياً في حديث قصير مع عبدالإله بن كيران رئيس الحكومة المغربية المكلف الأسبوع الماضي، عندما «هجم» عليه صحفيون بعد لقاء حزبي، وقال لي بالحرف «يجب ألا يقتصر عملكم على تعليم الطلاب الصحفيين (داخل مؤسسات جامعية) بل عليكم التفكير في تعليم السياسيين كيف يستطيعون التخلص من الصحفيين». ثم أطلق ضحكة مجلجلة.
قال ذلك على سبيل المزاح، لكنه كان في الوقت نفسه يعبر عن ضيقه من أسئلة الصحفيين.
ثمة اجتهاد في مجال لغة التواصل والإعلام يطلق عليه «دفن الحقائق في المعاني» أقول «اجتهاداً» وليس «نظرية».
هذا الاجتهاد جربه الاميركيون أيام حرب العراق. يقضي بالبحث عن مفردات لغوية تستعمل لتوصيف حالة معينة، بشرط ألا تقول شيئاً وفي الوقت نفسه لا تكون عبارة عن اختلاق أو أكاذيب.
أثار ذلك الأمر اهتمامي من زاويتين، الزاوية المهنية والجانب الأكاديمي.
أتيح لي أثناء عملي في واشنطن بلقاء مع أحد أساتذة هذا الاجتهاد التواصلي، لأسمع وأفهم.
الرجل خبير إعلامي أميركي كان يعمل مع قوات المارينز ما وراء البحار.
كانت مهمته بالضبط هي تعليم القادة العسكريين «دفن الحقائق في المعاني» إذا لم تتوفر معلومات كافية حول واقعة معينة، أو إذا كانت قوات المارينز لاترغب في كشف تفاصيل تعتقد أنها يجب أن تبقى طي الكتمان.
يقول الخبير» أحياناً تكون هناك عملية عسكرية جارية تهدف ملاحقة مسلحين مناوئين، لكن لا نرغب في كشف أي تفاصيل فإن دفن الحقائق في المعاني يكون مهماً جداً، لذلك ننصح القادة العسكريين الذين يتعاملون مع وسائل الإعلام اللجوء إلى هذا الأسلوب، كأن يقول المتحدث العسكري: نحن نحرص على سلامة قواتنا وسنزودكم بالتفاصيل بمجرد أن تتوفر لدينا معطيات».
يقول الخبير كذلك، يحدث أثناء لقاء صحفي ان تطرح اسئلة محرجة على متحدث رسمي وفي الغالب يكون عسكرياً، وهو يشعرنا بعدة وسائل، منها الضغط على زر صغير جداً مثبت على سترته بما يعني انه لا يملك جواباً أو لايريد أن يتحدث، عندئذٍ نزوده على الفور بجملة إلى ثلاث جمل «تدفن الحقائق في المعاني» وفي بعض الأحيان يكون ذلك أمام الصحفيين الذين يعتقدون أن المتحدث تلقى معلومات إضافية للاجابة على اسئلتهم.
أسلوب «دفن الحقائق في المعاني» يعرفه جيداً الدبلوماسيون، الذين يكونون في أغلب الأحيان مطالبون بعدم تقديم معلومات غير مسموح لهم بتقديمها للصحفيين.
لذلك لا يجدون مناصاً من اختيار كلمات وتعابير لا تقول شيئاً، لكنها ترضي فضول الصحفيين.
أتذكر أن الملك الحسن الثاني استقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز في مصيف إفران (وسط المغرب) في عام 1986، وأثار ذلك اللقاء ضجة كبيرة في العالم العربي، وكان أن عقد الملك الراحل ندوة صحفية ليتحدث عن دوافع اللقاء ونتائجه.
كان الحسن الثاني بارعاً في التعامل مع الصحفيين، وكان الصحفيون الذين حضروا الندوة، يتلهفون لمعرفة ما جرى في ذلك اللقاء.
وبأسلوبه المعهود، حسم الأمر في بداية الندوة قائلاً «قلت له ما يجب أن يسمعه، وسمعت منه ما كان يريد أن يقوله..وهذا يكفيكم».
لم يدفن «الحقائق في المعاني» بل دفن «المعاني في حقيقة واحدة»، مؤداها «قلت وسمعت».

طلحة جبريل