كتاب وأراء

ألد الاعداء

لا شك عندي في أن النفس البشرية، كما قال حجة الإسلام الإمام «الغزالي «تميل بطبعها إلى الكسل والدعة والاسترخاء، وتنفر من ركوب الأخطار والمشقات، لكننا هنا لا نتحدث عن النفس بالمعنى السيكولوجي وإنما عن ظواهر اجتماعية باتت لفرط تعودنا عليها جزءا منا.. منذ فترة عرضت قناة أميركية مشهدا لفتى صغير يرتدي أسمالا بالية ويقف عاجزا مرتجفا في عز البرد، والناس يمرون من حوله دون أن يفكر أحد ما بالتوقف، وكأنه غير مرأي بالنسبة لهم.. مرت نصف ساعة.. وساعة.. ثم ساعة أخرى وطاقم التصوير المختبئ والطفل يرتجفون من شدة البرد.. وبعد ساعات اقترب منه شاب أسود البشرة يبدو من هيئته والعربة التي يجرها وتحتوي على أشياء لا قيمة لها في الغالب أنه واحد من الآف المتشردين الذين يقيمون في الشوارع، ويعيشون على التسول، وكانت أول خطوة قام بها هذا المتشرد هي خلع المعطف الوحيد الذي يملكه ووضعه على كتف الطفل المرتجف، ثم تناول كيس طعام يبدو أنه التقطه من حاوية للقمامة وأعطاه للصبي.. وبعد أن اطمأن على حصول الطفل على ما يسد به رمقه وعلى بعض الدفء، أخذ يبحث في جيوبه عن قطع نقدية ليجود بها عليه.. ولم يطل الوقت حتى خرج المصور والمعد وآخرون من مخبئهم واقتربوا منه كما يحدث في الكاميرا الخفية، وبعد أن أخبروه أن المشهد مفبرك والهدف منه معرفة ردود أفعال البشر على هذا المشهد البائس، سأله المذيع ولكن لماذا؟ لقد مر العشرات بقربه ولم يتوقف أحد.. لماذا انت؟ وكان سؤالا حقيرا نوعا ما.. وفيه إشارة خفية إلى سواد بشرة المتشرد العطوف، وكأن القلوب تتلون بلون بشرة أصحابها، وكانت الإجابة عادية جدا.. لم أحتمل أن أرى طفلا يتعذب ولم يكن بإمكاني تجاهل الأمر.. هكذا!
إن سلاسل العادات الصغيرة جدا لا يمكن ملاحظتها إلا بعد أن تصبح من القوة بحيث يصعب تحطيمها. ومن ضمنها تجاهل ما يحدث للآخرين وتبني
العبارة السقيمة «هذا ليس من شأني»، صار غالبية الناس يتكلمون عن الأخلاق والشهامة والكرم ولا يفعلون شيئا سوى الكلام، هناك اهتراء في منظومة القيم والفضائل لخصها الكاتب السوري ممدوح عدوان في رواية «أعدائي» بكلمة واحدة.. التعود؟ تعرف ماذا تعلمنا يا أبي؟ ذات يوم شرحوا لنا في المدرسة شيئا عن التعود، حين نشم رائحة تضايقنا فإن أحاسيسنا كلها تتنبه وتعبر عن ضيقها، بعد حين من البقاء مع الرائحة يخف الضيق.
أتعرف معنى ذلك؟ معناه أن هناك شعيرات حساسة في مجرى الشم قد ماتت فلم تعد تتحسس، ومن ثم لم تعد تنتبه الجملة العصبية. والأمر ذاته في السمع، حين تمر في سوق النحاسين فإن الضجة تثير أعصابك، ولو أقمت هناك لتعودت مثلما يتعود المقيمون والنحاسون أنفسهم، السبب نفسه: الشعيرات الحساسة والأعصاب الحساسة في الأذن قد ماتت، نحن لا نتعود يا أبي إلا إذا مات فينا شيء، تصور حجم ما مات فينا حتى تعودنا على كل ما يجري حولنا.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري